ينابيع المودة لذو القربى - القندوزي، سليمان بن ابراهيم - الصفحة ٤٦٥ - الباب الثاني و الخمسون في إيراد رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري المعتزلي الذي كان من العلماء المحقّقين و من الأعيان المتقدّمين صاحب كتاب «البيان و التبيين» رحمه اللّه
[و قال أيضا: نحن أطعم للطعام و أضرب للهام [١] .
و قد عرفت جفاء المكيين و طيش المدنيين، و أعراق بني هاشم مكية و مناسبهم مدنية، ثم ليس في الأرض أحسن أخلاقا، و لا أطهر بشرا، و لا أدوم دماثة [٢] و لا ألين عريكة، و لا أطيب عشيرة، و لا أبعد من كبر منهم، و الحدّة لا يكاد يعدمها الحجازي و التهامي، إلاّ أن حليمهم لا يشقّ غباره، و ذلك في الخاص و الجمهور على خلاف ذلك، حتى تصير الى بني هاشم، فالحلم في جمهورهم، و ذلك يوجد في الناس كافة، و لكنّا نضمن أنّهم أتمّ الناس فضلا و أقلّهم نقصا، و حسن الخلق في البخيل أسرع، و في الذليل أوجد، و فيهم مع فرط جودهم، و ظهور عزّهم، من البشر الحسن و الاحتمال و كرم التفاضل، ما لا يوجد مع البخيل الموسر، و الذليل المكثر، اللذين يجعلان البشر وقاية دون المال.
و ليس في الأرض خصلة تدعو الى الطغيان و التهاون بالأمور، و تفسد العقول و تورث السكر، إلاّ و هي تعتريهم و تعرض لهم دون غيرهم، إذا قد جمعوا من الشرف العالي و المغرس الكريم، العزّ و المنعة، مع إبقاء الناس عليهم، و الهيبة لهم، و هم في كلّ أوقاتهم، و جميع أعصارهم فوق من هم على مثلا ميلادهم، في الهيئة الحسنة، و المروة الظاهرة، و الأخلاق المرضية.
و قد عرفت الحدث العزيز من فتيانهم، و ذوو الغرامة من شبّانهم، انّه إن افترى لم يفتر عليه، و إن ضرب لم يضرب. ثم لا تجده إلاّ قوي القلب، بعيد الهمة، كثير المعرفة مع خفّة ذات اليد، و تعذر الأمور.
[١] الهام-جمع الهامة-: رأس كلّ شيء.
[٢] الدماثة: سهولة الخلق.