ينابيع المودة لذو القربى - القندوزي، سليمان بن ابراهيم - الصفحة ٤٥٨ - الباب الثاني و الخمسون في إيراد رسالة أبي عثمان عمرو بن بحر الجاحظ البصري المعتزلي الذي كان من العلماء المحقّقين و من الأعيان المتقدّمين صاحب كتاب «البيان و التبيين» رحمه اللّه
و اعلم أنّ اللّه لو أراد أن يسوّي بين بني هاشم و بين الناس لما اختصّهم [١] بسهم ذوي القربى، و لما قال: وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ اَلْأَقْرَبِينَ [٢] ، و قال-تعالى-:
وَ إِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَ لِقَوْمِكَ وَ سَوْفَ تُسْئَلُونَ [٣] .
فاذا [٤] كان لقومه[في ذلك]ما ليس لغيرهم، فكلّ من كان أقرب منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم [٥] كان أرفع قدرا [٦] .
و لو سوّاهم اللّه [٧] بالناس لما حرّم عليهم الصدقة، و ما هذا التحريم إلاّ
ق-و العرب، و الكوفي و البصري، و العدناني و القحطاني، فهذه الأبواب الثلاثة أنقض للعقول السليمة. و أفسد للأخلاق الحسنة من المنازعة في القدر و التشبيه، و في الوعد و الوعيد، و في الأسماء و الأحكام، و في الآثار و تصحيح الأخبار. و أنقض من هذه للعقول تمييز الرجال و ترتيب الطبقات، و ذكر تقديم علي و أبي بكر.
فأولى الأشياء بك القصد و ترك الهوى، فانّ اليهود نازعت النصارى في المسيح، فلجّ بهما القول حتى قالت اليهود: انّه ابن يوسف النجّار، و انّه لغير رشدة، و انّه صاحب نيرنج (النيرنج: فارسي معرب: مكر، حيلة) و خدع و مخاريق، و ناصب شرك، و صياد سمك و صاحب شص و شبك، فما يبلغ من عقل صيّاد، و ربيب نجار. و زعمت النصارى انّه ربّ العالمين، و خالق السموات و الأرضين و إله الأولين و الآخرين.
فلو وجدت اليهود أسوأ من ذلك القول لقالته فيه، و لو وجدت النصارى أرفع من ذلك القول لقالته فيه و على هذا قال علي عليه السّلام: يهلك فيّ رجلان: محبّ مفرط و مبغض مفرط.
و الرأي أن لا يدعوك حبّ الصحابة الى بخس عترة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم حقوقهم و حظوظهم، فان عمر لما كتبوا الدواوين و قدّموا ذكره أنكر ذلك و قال: ابدءوا بطرفي رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم، و ضعوا آل الخطاب حيث وضعهم اللّه، قالوا: فأنت أمير المؤمنين، فأبى إلا تقديم بني هاشم و تأخر نفسه، فلم ينكر عليه منكر، و صوّبوا رأيه و عدّوا ذلك من مناقبه.
[١] في كشف الغمة: «أبانهم» بدل «اختصهم» .
[٢] الشعراء/٢١٤.
[٣] الزخرف/٤٤.
[٤] في كشف الغمة: «و إذا» .
[٥] لا يوجد في كشف الغمة: «منه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم» .
[٦] لا يوجد في كشف الغمة: «قدرا» .
[٧] لا يوجد في كشف الغمة: «اللّه» .