منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٧٦ - المعنى
و السابع و العشرون أنّه (قد أخلص للّه فاستخلصه) أى أخلص علمه للّه و جعله خالصا عن شوب الرّياء و الشّرك على ما مضى في شرح الفصل الرّابع من فصول الخطبة الأولى، و حيث إنه أخلص للّه فاستخلصه اللّه و اختاره و اختصّه من بين أبناء جنسه بالرّضا عنه و إفاضة الكمالات عليه و إدنائه إلى مقام القدس.
و الثّامن و العشرون أنّه إذا اتّصف بالاخلاص و الاستخلاص (ف) صار تشبيه (هو من معادن دينه و أوتاد أرضه) شبّهه ٧ من حيث كونه محلّا للدّين و مستقرّا له بالمعدن الّذى يستقرّ فيه الجوهر فكما أنّ المعدن يستخرج منه الجوهر و ينتزع منه، فكذلك الدّين الّذي هو جوهر عقلائي يستفاد من ذلك الموصوف و يكتسب منه، حقيقت و مجاز و أمّا معنى كونه من أوتاد أرضه فهو أنّك قد عرفت في شرح الفصل الثالث من فصول الخطبة الأولى أنّه سبحانه وتدّ بالصّخور و الجبال ميدان أرضه و اضطرابه و أنت إذا أخذت بين مجامع هذا الكلام و ما تقدّم ظهر لك أنّه ٧ جعل الموصوف بمنزلة جبل يكون وتداً للأرض مانعا لها عن الاضطراب، و هو إمّا جار على الحقيقة إن أراد بالموصوف نفسه الشّريف و من هو بمنزلته من أولاده المعصومين الّذين لولاهم لماجت الأرض بأهلها و ساخت، و إمّا على المجاز بأن يكون المراد به العموم فانّ الرّجل الموصوف لما كان سببا لانتظام أمر الدّنيا و عدم اضطراب أحوال أهلها كان كالوتد للأرض فافهم.
و التّاسع و العشرون أنه (قد ألزم نفسه العدل فكان أوّل عدله نفى الهوى عن نفسه) لما كان العدالة ملكة تصدر بها عن النفس الأفعال الفاضلة خلقا لا تخلّقا و اصولها عبارة عن الحكمة و العفّة و الشجاعة، و ساير الفضايل فروعا لها و كان العارف قد أرضى نفسه بالعبادة و غيرها حتّى حصل على هذه الفضايل الخلقيّة لا جرم كان بسعيه في حصولها قد ألزم نفسه العدل.
قال الشّارح البحراني: و لما كان العدل في القوّة الشّهوية الّذي هو أن يصير عفيفا لا خامد الشهوة و لا فاجرا أصعب[١] من العدل على ساير القوى لكثرة
[١] ( ١) خبر كان.