منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٣٤ - المعنى
و كان أعظم المضارّ هو الشّقاوة الأبديّة و العقوبة الدّائمة الناشية من عصيان الحضرة الالهيّة، لا جرم كان أغشّ النّاس لنفسه أكثرهم معصية لربّه.
و في هاتين الجملتين من الأمر بالطاعة و التحذير عن المعصية ما لا يخفى، إذ أحبّ الأشياء إلى الانسان نفس الانسان فهو دائما طالب لمحابّها و منافعها.
هارب عن مضارّها و مكارهها، فيلزم له الاتيان بالطّاعة و الحذر عن المعصية لكون الاولى جالبة للمحبوب و الأخرى كاسبة للمكروه.
(و المغبون من غبن نفسه) أصل الغبن هو الخداع فالغابن خادع و المغبون مخدوع و الغبن في البيع هو بيع الكثير بالقليل، و لمّا كانت الشّهوات الدّنيوية و اللّذايذ العاجلة زهيدة قليلة في جنب الثّمرات الأخرويّة و المنافع الآجلة، و كان المشتغل باللّذات الدّنية و الصّارف عمره في الشّهوات الخسيسة قد فوّت على نفسه المنافع الكثيرة و النّعم الخطيرة، فكأنّه قد باع الكثير بالقليل و فوّت على نفسه الخطير بالحقير، لا جرم كان هو غابنا لنفسه و خادعا لها حيث بخسها ما تستحقّه من ثواب اللَّه و رضوانه، و منه قوله تعالى:
يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذلِكَ يَوْمُ التَّغابُنِ.
قال الطبرسي في تفسيره: هو تفاعل من الغبن و هو أخذ شرّ و ترك خير أو أخذ خير و ترك شرّ فالمؤمن ترك حظه من الدّنيا و أخذ حظه من الآخرة فترك ما هو شرّ له و أخذ ما هو خير له فكان غابنا، و الكافر ترك حظّه من الآخرة و أخذ حظّه من الدّنيا فترك الخير و أخذ الشرّ فيكون مغبونا، فيظهر في ذلك اليوم الغابن و المغبون هذا.
و لما كان السعادات الاخرويّة أنفس متاع لا متاع فوقه، و الغبن فيها أعظم غبن لا غبن مثلّه، لذلك حصر ٧ المغبون فيمن غبن في ذلك و قال: المغبون من غبن نفسه على طريق المبالغة، و مثله قوله ٧ (و المغبوط من سلم له دينه) فان سلامة الدّين لما كانت أعظم نعمة لا نعمة فوقها كان المنعم بذلك أحقّ بأن يغبط و يتمنّي مثل ماله من غير أن تريد زواله، و بهذا القيد يفترق الغبطة من الحسد