منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٦٢ - الخامس
إذا أتاك حامل كتابي هذا فاذبحه و اسلخه و حشّ جلده تبنا و ابعث به إلىّ، فأخذ الكتاب و خرج، فلقاه الرّجل الذي سعى به فقال: ما هذا الكتاب؟ قال:
خطّ الملك لي بجايزة، فقال: هبه لي فوهبه له، فأخذه و مضى إلى العامل فقال العامل في كتابك أن أذبحك و أسلخك، قال: إنّ الكتاب ليس هو لي فاللّه اللَّه في أمرى حتّى تراجع الملك، فقال: ليس لكتاب الملك مراجعة، فذبحه و سلخه و حشي جلده تبنا و بعث به.
ثمّ عاد الرّجل كعادته إلى الملك و قال مثل قوله، فتعجّب الملك و قال:
ما فعلت الكتاب؟ فقال لقاني فلان فاستوهبه منّي فوهبته له، قال الملك: إنّه ذكر لي أنّك تزعم أنّي أبخر، قال: ما قلت ذلك، قال: فلم وضعت يدك على فيك؟
قال: لأنّه أطعمني طعاما فيه ثوم فكرهت أن تشمّه، قال: صدقت ارجع إلى مكانك فقد كفاك المسيء إسائته.
و أمّا عدم كونه مضرّا بالمحسود في الدّنيا و الدّين فواضح.
أمّا الدّنيا فلأنّ النعمة لا تزول عنه بحسدك، بل ما قدّره اللَّه في حقّه من النعمة و الاقبال و من طيب العيش و حسن الحال لا بدّ أن يدوم إلى أجل معلوم، لارادّ لحكمه و لا دافع لقضائه، إذ كلّ شيء عنده بمقدار، و لكلّ أجل كتاب و مهما لم تزل النعمة بالحسد لم يكن على المحسود ضرر.
و لعلّك تقول: ليت النعمة كانت تزول عن المحسود بحسدي فهذا غاية الجهالة و السفاهة لأنّه بلاء تشتهيه أوّلا لنفسك، فانّك أيضا لا تخلو من حاسد يحسدك فلو كانت النعمة تزول بالحسد للزم أن تنقطع عنك النعم و عن كلّ أحد بل يزول الايمان عن المؤمنين لأنّ الكفّار حاسدون لهم في ذلك محبّون ارتفاعه عنهم كما قال سبحانه:
وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ.