منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ٤٨ - التنبيه الاول
و لا يمكن أيضا أن يقال: إنّها نازلة في أهل فارس أو في أهل اليمن، لأنّهم لم يتّفق لهم محاربة مع المرتدّين، و بتقدير أنّه اتّفقت لهم هذه المحاربة و لكنهم كانوا رعيّة و أتباعا و أذنابا، و كان الرئيس المطاع الامر في تلك الواقعة هو ابو بكر و معلوم أنّ حمل الاية على من كان أصلا في هذه العبادة و رئيسا مطاعا فيها أولى من حملها على الرّعية و الأتباع و الأذناب، فظهر بما ذكرنا من الدّليل الظاهر أنّ هذه الاية مختصّة بأبي بكر.
و الوجه الثاني في بيان أنّ هذه الاية مختصّة بأبي بكر هو:
إنّا نقول: هب أنّ عليّا قد كان حارب المرتدّين، و لكن محاربة أبى بكر مع المرتدّين كانت أعلى حالا و أكثر موقعا فى الاسلام من محاربة عليّ مع من خالفه فى الامامة و ذلك لأنّه علم بالتواتر أنّه ٦ لمّا توفّى اضطربت الأعراب و تمرّدوا و أنّ أبا بكر هو الّذي قهر مسيلمة و طليحة، و هو الذى حارب مانعي الزّكاة، و لمّا فعل ذلك استقرّ الاسلام و عظمت شوكته و انبسطت دولته.
أمّا لما انتهى الأمر إلى علىّ فكان الاسلام قد انبسط فى الشّرق و الغرب و صار ملوك الدّنيا مقهورين و صار الاسلام مستوليا على جميع الأديان و الملل، فثبت أنّ محاربة أبى بكر أعظم تاثيرا فى نصرة الاسلام و تقويته من محاربة عليّ ٧.
و معلوم أنّ المقصود من هذه الاية تعظيم قوم يسعون فى تقوية الدّين و نصرة الاسلام، و لما كان أبو بكر هو المتولّى لذلك وجب أن يكون هو المراد بالاية.
المقام الثالث فى هذه الاية و هو أنّا ندّعى دلالة هذه الاية على صحّة إمامة أبى بكر، لما ثبت بما ذكرنا أنّ هذه الاية مختصّة به، فنقول: إنّه تعالى وصف الذين أرادهم بهذه الاية بصفات:
أوّلها أنّهم يحبّهم اللّه، فلمّا ثبت أنّ المراد بهذه الاية هو أبو بكر ثبت أنّ قوله يحبّهم و يحبّونه وصف لأبى بكر، و من وصفه اللّه تعالى بذلك يمتنع أن يكون ظالما، و ذلك يدلّ على أنه كان محقّا في إمامته.