منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة - هاشمى خويى، ميرزا حبيب الله - الصفحة ١٥٢ - المعنى
إلى ما يخالفه كما هو شأن قضاة السوء و امراء الجور و وظيفة أهل الهوى و العصبيّة.
(يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه) لأنّ مسيس الحاجة إلى الاشهاد إنّما يكون في صورة الانكار و إنكار الحق كذب صريح مناف للتّقوى و العدالة.
(لا يضيّع ما استحفظ) أى لا يضيّع ما أمر اللّه بمحافظته من الصلوات الخمس و نحوها من الطاعات قال سبحانه حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَ الصَّلاةِ الْوُسْطى و قال أيضا وَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ و بشّر الحافظين لها في سورة المؤمنين بقوله وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلَواتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ و في سورة المعارج بقوله وَ الَّذِينَ هُمْ عَلى صَلاتِهِمْ يُحافِظُونَ أُولئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ.
و المراد بمحافظتها محافظة أوقاتها و حدودها و مراعات آدابها و شرايطها و المداومة عليها، و ضدّ المحافظة التّهاون و الأوّل من جنود العقل، و الثاني من جنود الجهل كما في حديث الكافي، و المراد بالتضييع هنا الأعمّ من الترك و التهاون و الاخلال بالحدود الموظفة.
(و لا ينسى ما ذكر) التذكّر و النّسيان أمران متقابلان، و الأول من جنود العقل و الثّاني من جنود الجهل.
و توضيح معناهما حسبما أوضحه بعض المحقّقين أنّ الادراك فينا عبارة عن حصول الصّورة العقليّة أو الحسّية في قوّة من قوانا، و تلك القوّة هى المسمّاة بالمدركة، و الحفظ عبارة عن وجود تلك الصّورة في قوّة اخرى فوقها هى المسمّاة بالخزانة و الحافظة، و التّذكّر عبارة عن استحضار تلك الصّورة مرّة اخرى من الحافظة بعد اختزانها فيها، و النّسيان عبارة عن زوالها عن المدركة و الحافظة بما هى حافظة جميعا، و السّهو عبارة عن زوالها من المدركة فقط لا من الحافظة.
إذا عرفت ذلك فأقول: إنّ المراد بقوله لا ينسى ما ذكر أنّه لا ينسى المتّقى ما ذكره اللّه سبحانه بايات كتابه الكريم من الفرائض و الأحكام و العبر و الأمثال و غيرها ممّا فيه تذكرة و ذكرى لاولى الألباب، بل يعمل بها و يداوم على ملاحظتها