الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ١٩٢ - مناظراته في التوحيد
قال الزنديق: فمن أين أثبت أنبياء و رسلا، قال ٧: إنّا لمّا أثبتنا أنّ لنا خالقا صانعا متعاليا عنّا و عن جميع ما خلق، و كان ذلك الصانع حكيما لم يجز أن يشاهده خلقه و لا أن يلامسوه و لا أن يباشرهم و يباشروه و يحاجّهم و يحاجّوه، ثبت أن له سفراء في خلقه و عبادة يدلّونهم على مصالحهم و منافعهم و ما به بقاؤهم و في تركه فناؤهم، فثبت الآمرون و الناهون عن الحكيم العليم في خلقه، و ثبت عند ذلك أن لهم معبّرين و هم الأنبياء و صفوته من خلقه، حكماء مؤدّبين بالحكمة، مبعوثين عنه، مشاركين للناس في أحوالهم على مشاركتهم لهم في الخلق و التركيب، مؤيّدين من عند الحكيم العليم بالحكمة و الدلائل و البراهين و الشواهد من إحياء الموتى و إبراء الأكمه و الأبرص.
ثمّ قال الزنديق: من أيّ شيء خلق الأشياء؟ قال ٧: من لا شيء، فقال: كيف يجيء شيء من لا شيء؟ قال ٧: إن الأشياء لا تخلو إما أن تكون خلقت من شيء أو من غير شيء فإن كانت خلقت من شيء كان معه، فإن ذلك الشيء قديم، و القديم لا يكون حديثا، و لا يتغيّر و لا يخلو ذلك الشيء من أن يكون جوهرا واحدا و لونا واحدا، فمن أين جاءت هذه الألوان المختلفة و الجواهر الكثيرة الموجودة في هذا العالم من ضروب شتّى؟ و من أين جاء الموت إن كان الشيء الذي انشئت منه الأشياء حيّا؟ أو من أين جاءت الحياة إن كان ذلك الشيء ميّتا؟ و لا يجوز أن يكون من حيّ و ميّت قديمين لم يزالا، لأن الحيّ لا يجيء منه ميّت و هو لم يزل حيّا، و لا يجوز أيضا أن يكون الميّت قديما لم يزل لما هو به من الموت، لأن الميّت لا قدرة به و لا بقاء.
أقول: إن هذا الأمر على دقّته قد أوضحه الامام بأحسن بيان و ردّده بين امور لا يجد العقل سواها عند الترديد، و حقّا إن كان الشيء الذي خلقت الأشياء منه قديما لزم أن يكون مع اللّه تعالى شيء قديم غير مخلوق له، و لو فرض أنه