الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ١٥٦ - ٢
من غيره، فكّر في أبنية أبدان الحيوان و تهيئتها على ما هي عليه، فلا هي صلاب كالحجارة، و لو كانت كذلك لا تنثني و لا تتصرّف في الأعمال و لا هي على غاية اللين و الرخاوة، فكانت لا تتحامل و لا تستقلّ بأنفسها، فجعلت من لحم رخو ينثني تتداخله عظام صلاب يمسكه عصب و عروق تشدّه و تضمّ بعضه الى بعض، و عليت [١] فوق ذلك بجلد يشتمل على البدن كلّه.
و من أشباه ذلك هذه التماثيل التي تعمل من العيدان و تلفّ بالخرق و تشدّ بالخيوط و يطلى فوق ذلك بالصمغ، فتكون العيدان بمنزلة العظام و الخرق بمنزلة اللحم، و الخيوط بمنزلة العصب و العروق، و الطلاء بمنزلة الجلد، فإن جاز أن يكون الحيوان المتحرّك حدث بالإهمال من غير صانع، جاز أن يكون ذلك في هذه التماثيل الميّتة، فإن كان هذا غير جائز في التماثيل فبالحريّ ألّا يجوز في الحيوان.
و فكّر بعد هذا في أجساد الأنعام فإنها خلقت على أبدان الإنس من اللحم و العظم و العصب اعطيت أيضا السمع و البصر، ليبلغ الانسان حاجياته منها، و لو كانت عميا صمّا لما انتفع بها الانسان، و لا تصرّفت في شيء من مآربه، ثمّ منعت الذهن و العقل لتذلّ للانسان، فلا تمتنع عليه إذا كدّها الكدّ الشديد، و حملها الحمل الثقيل، فإن قال قائل: إنه قد يكون للانسان عبيد من الإنس يذلّون و يذعنون بالكدّ الشديد و هم مع ذلك غير عديمي العقل و الذهن، فيقال في جواب ذلك: إن هذا الصنف من الناس قليل، فأمّا اكثر البشر فلا يذعنون بما تذعن به الدواب من الحمل و الطحن و ما أشبه ذلك، و لا يقومون بما يحتاجون إليه منه، ثمّ لو كان الناس يزاولون مثل هذه الأعمال بأبدانهم لشغلوا بذلك عن
[١] غلفت في نسخة.