الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٩٠ - أثر التقيّة في خدمة الدين
و لما ذا روى عنه حتّى أئمة القوم و أعلامهم، أمثال مالك و أبي حنيفة و السفيانين و أيوب السختياني و شعبة و ابن جريح و غيرهم؟، كلّ ذلك لما كان عليه من البعد عن مجتمع الناس الذي يجلب التهمة إليه بطلب الرئاسة و الخلافة، و لتستّره في نشر العلم و الأخلاق، و لو لا ذلك لما ظهرت علومه و فضائله، و لو لا ذلك لما عرف الناس شأن أهل البيت و حقيقة القرآن و علوم الدين، و لو لا ذلك لما وضح ما كان عليه أرباب السلطتين، و لو لا ذلك لما بادت كثير من الفرق الباطلة، و قامت الحجّة عليها من ذوي الفقه و الكلام، و لو لا ذلك لما بلغت الشيعة سبعين مليونا، و حلّت في كلّ صقع و احتلّت كثيرا من البلاد [١].
فمن هاهنا تعرف أثر التقيّة في خدمة الدين و الشريعة، و ردّ عوادي الظلم و الضلالة، و تعريف الناس حقائق الايمان، و بطلان الشبهات و المبتدعات.
فلا أخالك بعد هذا البيان تصغي إلى شيء من الغمز في التقيّة و نسبة الشيعة إلى الباطنيّة من جرّاء ذلك التكتّم في الاعتقاد، و التستّر في المذاهب.
و ما كان هذا الإسهاب إلّا لرفع النقاب عن محيا الحقيقة لمن يزعم أن التقيّة مجهولة المحاسن، لأنها حجاب كثيف و عسى أن يكون ما وراء الحجاب ألف عيب و ألف نقص، و من يتّقي في عقيدته كيف يعرف الناس ما لديه و يرون جمال ما يضمره، أ ترى يصحّ هذا الغمز و النبز بعد ما ألمسناك فوائدها، و أريناك منافعها؟
على أن اليوم بفضل المطابع قد انتشرت علوم الشيعة و عقائدهم، فأين الكتمان و أين الاتّقاء؟ و ما كان الاتّقاء إلّا في ذلك العهد يوم كانت الشيعة
[١] استوفينا البيان عن الشيعة و عددهم و بلدانهم في كتابنا «تاريخ الشيعة» و قد أخرجته المطابع فاقرأه ففيه عن ذلك بلغة و متعة.