الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢٤٢ - زهده
نعم إنما يحملنا على الافتتان بهذه العاجلة و الصفح عن تلك الحياة الآجلة مع فناء هذه و بقاء تلك، امور لا يجهلها البصير و إن لم تكن عذرا عند مناقشة الحساب، ألا و هي حبّ العاجل، و ضعف النفس، و نضارة هذه المناظر و الزينة اللتان نصبتهما الدنيا فخاخا و حبائل، و لو شاء الانسان- و إن كان أضعف الناس بصرا و بصيرة- أن ينجو من هذه الشباك لكان في مقدوره، فكيف بأقوى الناس عقلا و أثبتهم يقينا، و أدراهم بالحقائق، حتّى كأنّ الأشياء لديه مكشوفة الغطاء بل لو كشف لهم الغطاء لما ازدادوا يقينا.
فإعراض محمّد و آل محمّد عليه و عليهم الصلاة و السلام عن هذه الحياة الدانية و رغائده إلّا بقدر البلغة لتلك الحياة الباقية، إنما هو لأنهم يرونها أخسّ من حثالة القرظ و أنجس من قراضة الجلم [١] فما كانوا عليه شيء غير الزهد، بل هو أعلى من الزهد، غير أن ضيق المجال في البيان يلجئونا الى تسميته بالزهد، تنظيرا له بما نعرفه من نفائس هذا الوجود و من الإعراض عنها.
فلا نستكبر بعد أن نعرف هذا عن محمّد و عترته ما يرويه أهل الحديث و السيرة و التأريخ عن صادقهم أنه كان يلبس الجبّة الغليظة القصيرة من الصوف على جسده و الحلّة من الخزّ على ثيابه، و يقول: نلبس الجبّة للّه و الخزّ لكم [٢].
أو يرى و عليه قميص غليظ خشن تحت ثيابه، و فوقه جبّة صوف، و فوقها قميص غليظ.
أو يطعم ضيفه اللحم ينتفه بيده، و هو يأكل الخلّ و الزيت و يقول: إن هذا
[١] القرظ: ورق السلم، و الجلم: ما يجز به.
[٢] لواقح الأنوار للشعراني عبد الوهاب بن أحمد الشافعي: ١/ ٢٨، و مطالب السؤل.