الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢٤١ - زهده
زهده:
إن الزهد في الشيء الإعراض عنه، و إنما يكون للزهد شأن يكسب الزاهد فضلا اذا كان المزهود فيه ذا قيمة و ثمن كبير، و أمّا اذا كان المزهود فيه بخسا لا شأن له يحتسب، و لا قدر يعرف فلا فضل في الزهد فيه، أ ترى أن الزهد في الشابّة النضرة الخلوق التي جمعت ضروب المحاسن و الجمال و فنون الآداب و الكمال، مثل الزهد في الشوهاء السوداء العجوز؟ و لا سواء.
فإنما يكون الزهد في الدنيا و الإعراض عن لذائذها و شهواتها ذا شأن يزيد المرء قدرا و رفعة، و يكشف عن نفس زكيّة نقيّة، إذا نظرها فوجدها حسناء فاتنة الشمائل، فولّاها ظهره معرضا عن جمالها، صافحا عن محاسنها طالبا بهذا الإعراض ما هو أفضل عند اللّه و أطيب، و أمّا اذا تجلّت لديه سافرة النقاب مجرّدة الثياب، و اختبرها معاشرة و صحبة، فرآها شوهاء عجفاء، بارزة العيوب، قبيحة المنظر، سيّئة المخبر و المعشر، لا تفي بوعد، و لا تركن الى عهد، و لا تصدق بقول، و لا تدوم على حال، و لا يسلم منها صديق، فكيف لا يقلاها ساخطا عليها متوحّشا منها، و كيف لا ينظرها بمؤخّر عينيه نظر المحتقر الملول.
و إننا على قصر نظرنا، و قرب غورنا، لنعرف حقّا أن حياتنا هذه و إن طالت صائرة إلى فناء، و عيشنا و إن طاب آئل الى نكد، و إننا سوف ننتقل من هذه الدار البائدة الى تلك الدار الخالدة، و من هذا العيش الوبيل الى ذلك العيش الرغيد، و إن كلّ لذّة في هذه الحياة محفوفة بالمكاره، و كلّ عيش مشوب بالكدر، و إن هذه الأيام الزائلة مزرعة لهاتيك الأيام الباقية، و هل يحصد المرء غير ما يزرع، و يجازي بغير ما يفعل، و هل يجمل بالعاقل البصير أن يفتن بمثل هذه الحياة و اللذائذ؟.