الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ١٥١ - ١
غذاه، و لا دفع أذى، و لا استجلاب منفعة، و لا دفع مضرّة، فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النبات، فلا يزال ذلك غذاءه حتّى اذا كمل خلقه و استحكم بدنه، و قوي أديمه [١] على مباشرة الهواء و بصره على ملاقاة الضياء هاج الطلق بامّه فأزعجه أشدّ إزعاج و أعنفه حتّى يولد، و اذا ولد صرف ذلك الدم الذي كان يغذوه من دم امّه الى ثديها، فانقلب الطعم و اللون الى ضرب آخر من الغذاء، و هو أشدّ موافقة للمولود من الدم، فيوافيه في وقت حاجته إليه، فحين يولد قد تلمّظ و حرّك شفتيه طلبا للرضاع، فهو يجد ثدي أمّه كالأداوتين [٢] المعلّقتين لحاجته إليه، فلا يزال يغتذي باللبن ما دام رطب البدن رقيق الأمعاء ليّن الأعضاء، حتّى اذا تحرّك و احتاج الى غذاء فيه صلابة ليشتدّ و يقوى بدنه طلعت له الطواحن من الأسنان و الأضراس، ليمضغ بها الطعام فيلين عليه و تسهل له إساغته، فلا يزال كذلك حتّى يدرك، فاذا أدرك و كان ذكرا طلع الشعر في وجهه فكان ذلك علامة الذكر و عزّ الرجل الذي يخرج به من حدّ الصبي و شبه النساء، و إن كانت انثى يبقى وجهها نقيّا من الشعر لتبقى لها البهجة و النضارة التي تحرّك الرجال لما فيه دوام النسل و بقاؤه.
اعتبر يا مفضّل فيما يدبر الانسان في هذه الأحوال المختلفة، هل ترى يمكن أن يكون بالإهمال؟ أ فرأيت لو لم يجر إليه ذلك الدم و هو في الرحم، أ لم يكن سيذوي و يجفّ كما يجفّ النبات اذا فقد الماء؟ و لو لم يزعجه المخاض عند استحكامه، أ لم يكن سيبقى في الرحم كالموؤد في الأرض؟ و لو لم يوافقه اللبن مع ولادته، أ لم يكن سيموت جوعا أو يغتذي بغذاء لا يلائمه و لا يصلح عليه بدنه؟
[١] جلده.
[٢] تثنية أداوة- بالكسر- إناء صغير من جلد يتّخذ للماء.