الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢٦ - بنو العبّاس
ارتقى السفّاح منصّة الحكم فضحكت له الدنيا بعد تقطيب و أقبلت عليه بعد إدبار، و لكن هل يسلم المرء- و إن أقبلت عليه الدنيا بأسرها- من نوازل الهم؟ أصبح ابن عبّاس بين همّين همّ تطهير البلاد من الأمويّين لتخلص له الأمّة، و همّ المنافسة على العرش من بني علي، العرش الذي لم ترسخ أسسه بعد، و لم تثبت قوائمه، و ما أسرع ما يميد إذا عصفت أعاصير الوثبات عليه، و لم يسترح بعد من همّه الأوّل حتى أقلقه الثاني، و كيف يأمن من العلويّين، و أبو عبد اللّه الصادق ٧ إمام مفترض الطاعة عند شطر من هذه الامّة، و عند كثير من أجنادهم الذين قلبوا بهم عروش بني مروان، و هل قتلوا أبا سلمة الخلّال إلّا لأنهم أحسّوا منه أنه يريدها لبني علي، و أن البيعة للسفّاح كانت بالغلبة عليه و إعجاله عليها.
و كيف يأمن ألّا ينافسه العلويّون و محمّد بن الحسن كانت له البيعة يوم الأبواء، و هو الذي صفّق السفّاح و المنصور بيديهما على يده، و هو الذي كان المؤهّل للعرش الذي وثبوا عليه، و ما زالت تلك الأماني تخالج نفسه و لأيّ شيء اختفى يوم ظهر السفّاح؟ أ ليس الليث قد يربض للوثبة؟
حاول ابن عبّاس أن يستريح من هذا الهمّ فأرسل خلف الصادق ٧ إلى الحيرة ليوقع به و إن لم يظهر ما يتخوّفه على سلطانهم، فلما وصلها ضيّق عليه، و لكن لمّا لم يجد عنده هاتيك المخاوف سرّحه إلى المدينة راجعا و الهواجس تساوره.
ثمّ صار يتطلّب ابني عبد اللّه بن الحسن، و هما مختفيان خوفا من بطشه و كلّما جدّ في العثور عليهما جدّا في الاختفاء.
انقضى دور السفّاح القصير و الصادق ٧ وادع في المدينة و ابنا الحسن خلف ستور الخفاء، و ما جاءت أيام المنصور إلّا و اشتدّ على العلويّين،