الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ٢١٢ - مناظرته في الزهد
و لم تمت على البدعة.
اخبرك أن رسول اللّه ٦ كان في زمان مقفر جدب فأمّا إذا أقبلت الدنيا فأحقّ أهلها بها أبرارها لا فجّارها، و مؤمنوها لا منافقوها، و مسلموها لا كفّارها، فما أنكرت يا ثوري، فو اللّه أنني لمع ما ترى عليّ منذ عقلت ما مرّ صباح و لا مساء و للّه في مالي حقّ أمرني أن أضعه موضعا إلّا وضعته.
و أتاه قوم ممّن يظهر التزهّد و يدعو الناس أن يكونوا معهم على مثل الذي هم عليه من التقشّف، فقالوا له: إن صاحبنا حصر عن كلامك و لم تحضره حججه، فقال لهم: فهاتوا حججكم، فقالوا له: حجّتنا من كتاب اللّه، فقال لهم: فادلوا بها، فإنها أحقّ ما اتبع و عمل به، فقالوا: يقول اللّه تبارك و تعالى مخبرا عن قوم من أصحاب النبي ٦: «و يؤثرون على أنفسهم و لو كان بهم خصاصة [١] و من يوق شحّ نفسه فاولئك هم المفلحون» [٢] فمدح فعلهم، و قال في موضع آخر: «و يطعمون الطعام على حبّه مسكينا و يتيما و أسيرا» [٣] فنحن نكتفي بهذا.
فقال رجل من الجلساء: إنّا رأيناكم تزهدون في الأطعمة الطيّبة و مع ذلك تأمرون الناس بالخروج من أموالهم حتّى تمتعوا أنتم بها، فقال لهم أبو عبد اللّه:
دعوا عنكم ما لا ينتفع به، أخبروني أيّها النفر، أ لكم علم بناسخ القرآن من منسوخه، و محكمه من متشابهه، الذي في مثله ضلّ من ضلّ و هلك من هلك من هذه الامّة؟ فقالوا له: أو بعضه فأمّا كلّه فلا، فقال ٧ لهم: فمن هاهنا
[١] بالفتح الفقر.
[٢] الحشر: ٩.
[٣] الدهر: ٨.