الإمام الصادق عليه السلام - الشيخ محمد حسين المظفر - الصفحة ١٥٢ - ١
و لو لم تطلع عليه الأسنان في وقتها، أ لم يكن سيمتنع عليه مضغ الطعام و إساغته، أو يقيمه على الرضاع فلا يشدّ بدنه و لا يصلح لعمل، ثمّ كان تشتغل امّه بنفسه عن تربية غيره من الأولاد؟ و لو لم يخرج الشعر في وجهه في وقته، أ لم يكن سيبقى في هيئة الصبيان و النساء، فلا ترى له جلالا و لا وقارا؟ فمن هذا الذي يرصده حتّى يوافيه بكلّ شيء من هذه المآرب إلّا الذي أنشأه خلقا بعد أن لم يكن، ثمّ توكّل له بمصلحته بعد أن كان، فإن كان الإهمال يأتي بمثل هذا التدبير فقد يجب أن يكون العمد و التقدير يأتيان بالخطإ و المحال لأنهما ضدّ الإهمال، و هذا فظيع من القول و جهل من قائله، لأن الإهمال لا يأتي بالصواب، و التضادّ لا يأتي بالنظام، تعالى اللّه عمّا يقول الملحدون علوّا كبيرا.
أقول: إن الإهمال دوما يأتي بالخطإ كما نشاهده عيانا، أ رأيت لو وجّهت الماء الى الزرع و أهملت تقسيمه على الألواح أ يسقي الألواح كلّها من دون خلل، أو إذا نثرت البذر في الأرض من دون مناسبة أ يخرج الزرع بانتظام، أو إذا جمعت قطعا من خشب و واصلتها بمسامير أ تكون كرسيّا أو بابا من دون تنسيق.
ثمّ قال ٧: و لو كان المولود يولد فهما عاقلا لأنكر العالم عند ولادته، و لبقي حيران تائه العقل إذا رأى ما لم يعرف، و ورد عليه ما لم ير مثله من اختلاف صور العالم من البهائم و الطير إلى غير ذلك ممّا يشاهده ساعة بعد ساعة و يوما بعد يوم، و اعتبر ذلك بأن من سبي من بلد إلى بلد و هو عاقل يكون كالواله الحيران فلا يسرع في تعلّم الكلام و قبول الأدب كما يسرع الذي يسبى صغيرا غير عاقل، ثم لو ولد عاقلا كان يجد غضاضة إذا رأى نفسه محمولا مرضعا معصّبا بالخرق مسجّى في المهد، لأنه لا يستغني عن هذا كلّه لرقّة بدنه و رطوبته حين يولد، ثمّ كان لا يوجد له من الحلاوة و الوقع من القلوب ما يوجد للطفل، فصار يخرج الى الدنيا غبيّا غافلا عمّا فيه أهله فيلقي الأشياء بذهن ضعيف