إحياء الأراضي الموات - محمود المظفر - الصفحة ٢٢٤ - (أ) الجزائر
هذا و يظهر أن مراد بعضهم بالمنع من الإحياء هو الإحياء بالبناء و نحوه لخوف رجوع المياه على الطرف الآخر من النهر فيما لو اصطدم بالبناء [١] أما الانتفاع بالزراعة [٢] و نحوها فلا مانع منه عندهم، فيما صرحوا.
و يستدل الحنابلة هؤلاء ببعض الأدلة التي ذكرها العباس بن موسى في روايته عن أحمد بن حنبل [٣]، و منها اشتمال الإحياء على الضرر من خوف اصطدام المياه بالبناء و رجوعها إلى الطرف الآخر من النهر كما مر، و منها أيضا جريان الجزائر مجرى المعادن الظاهرة في الحكم، لأنها منبت الكلأ و الحطب فلا تحتاج إلى مؤنة و تكلفة في استغلالها كما هو الأمر في المعادن المذكورة، و عليه فلا سبيل إلى ورود الحقوق الخاصة عليها بالإحياء.
و الواقع أن رأى الحنابلة ذلك المقيد بالضرر- و منه رأى الحارثي و إن جعلوه رأيا وسطا- هو ليس برأى مناهض لرأي الجمهور إذا ما علمنا بأنهم قيدوا المنع من الإحياء بحصول الضرر العام، و هذا القيد في الواقع لا تختلف فيه المذاهب الفقهية كلها، بناء على حكم القواعد الضررية العامة نحو قوله ٦: «لا ضرر و لا ضرار» و متفرعاتها، و قد صرح بذلك فعلا بعض فقهاء الأحناف ممن ذهبوا إلى شرعية الإحياء. يقول صاحب الهداية [٤]: «و ما ترك الفرات أو الدجلة و عدل عنه الماء و يجوز عوده إليه، لم يجز إحياؤه لحاجة العامة إلى كونه نهرا». و يقول أبو يوسف [٥]- و هو يستدرك على الحكم بجواز إحياء الجزيرة التي نضبت عنها المياه-: «و إن
[١]. أبو يعلى- ١٩٦. و البهوتى في الروض المربع- ٢/ ٤٢٦.
[٢]. البهوتى- ٢/ ٤٢٦.
[٣]. ابن قدامة في المغني- ٦/ ١٦١. و كذلك أورد لهم هذه الأدلة صاحب التذكرة في باب إحياء الموات.
[٤]. المرغينانى- ٨/ ١٤٢، كما جاء قولهم بهذا النص في اللباب للغنيمى- ١/ ٢٠٣.
[٥]. الخراج ٩١- ٩٢.