ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٨٢ - صراع بين الأريحيّة و المنفعة
و نهاره بين الخمور و الطنابير، و لا يفرغ من مجالس النساء و الندمان إلاّ ليهرج إلى الصيد، فيقضي فيه الأسبوع بعد الأسبوع بين الأديرة و البوادي و الآجام [١] ، لا يبالي خلال ذلك تمهيدا لملك و لا تدريبا على حكم و لا استطلاعا لأحوال الرعيّة الذين سيتولاّهم بعد أبيه، ثقة بما صار إليه من التمهيد و التوطيد و ما سوف يصير.
فكلّ خلاف جاز في المفاضلة بين علي و معاوية غير جائز في المفاضلة بين الحسين و يزيد، و إنّما الموقف الحاسم بينهما موقف الأريحيّة الصراح في مواجهة المنفعة الصراح.
و قد بلغ كلاهما من موقفه أقصى طرفيه و أبعد غايتيه، فانتصر الحسين بأشرف ما في النفس الإنسانيّة من غيرة على الحقّ و كراهة للنفاق و المداراة، و انتصر يزيد بأرذل ما في النفس الإنسانيّة من جشع و مراء و خنوع لصغار المتع و الأهواء.
أقام الحسين ليلته الأخيرة بكربلاء و هو لا ينتظر من عاقبته غير الموت العاجل بعد سويعات، فأذن لأصحابه أن يتفرّقوا عنه تحت الليل إن كانوا يستحيون أن يفارقوه في ضوء النهار، فأبوا إلاّ أن يموتوا دونه.
و قال له مسلم بن عوسجة الأسدي: «أنحن نتخلّى عنك و لم نعذر إلى اللّه في أداء حقّك؟!أمّا و اللّه لا أفارقك حتّى أكسر في صدورهم رمحي
[١] راجع: تاريخ خليفة ١٥٧، مروج الذهب ٣: ٧٧ و ٨١، الردّ على المتعصّب العنيد ٥٣، تذكرة الخواص ٢٨٨ و ٢٨٩، البداية و النهاية ٨: ٢٣٠ و ٢٣٢ و ٢٣٣، تاريخ الخلفاء للسيوطي ٢٠٩، سمط النجوم العوالي ٣: ٢٠٧.