ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٤٥ - شخصيّته
التفهّم و دقّة في الأداء و على سيطرة على الموضوع و هيمنة على الفكرة و الكلمة، و هو من ناحية المقدرة الذهنيّة توقّد في الذكاء و بعد في اللمح و امتداد في الرؤية و عمق في النظرة، و هو من ناحية الخلق صلابة لا تلين و عقيدة لا تهي و رصانة تأبى التبذّل و وقار يأبى السخف و تقيّد بنظام الحياة لا يحيد عنه و تمسّك بالحرّية و الديمقراطيّة و الروح الإنسانيّة لا يرضى الاستهانة بذرّة من ذرّاتها، و هو رجل التديّن الصادق الذي يكره التعصّب و التزمّت و جعل الدين مطيّة للأطماع و الأحقاد.
و قد كان يميل إلى الخجل و الانفراد و العزلة، و لم يكن ذلك بسبب عقد نفسيّة، و لكنّه ورث طبيعة الانطواء عن والديه، و كان يشغل وحدته بالمطالعة، و كان يحبّ الصداقة و يكره العداوة.
و كان شديد الحسّاسيّة سريع البكاء، و قد أثبتت المراجع العلميّة و النفسيّة أنّ أقوى الرجال أسرعهم إلى البكاء و التأثّر [١] .
و لم يتزوّج و ازدرى كثيرا من متع الحياة معلّيا عليها متاع الضمير و متاع الخلق الكريم و متاع الفكر و متاع الذوق و الشعور مقتنعا من مطالب العيش بما يكفيه، و هو لا يقيس الحياة الصحيحة بمقياس المادّة و الجسد، إنّما يقيسها بمقياس الروح و العقل و مقاصدهما المثاليّة [٢] .
و كان من ناحية الخلق أجشّ الصوت في قامته طول نعت من أجله بالعملاق [٣] .
[١] المصدر السابق ٧-٩.
[٢] الجامع في تاريخ الأدب العربي الحديث ٢٩٣، نقلا عن شوقي ضيف.
[٣] الأعلام للزركلي ٣: ٢٦٦.