ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٩٦ - أبو الشهداء
و إنّما هو طلب و طلب، و إنّما هي غاية و غاية، و إنّما المعوّل في هذا الأمر على الطلب لا على المطلوب.
فمن طلب الملك بكلّ ثمن و توسّل له بكلّ وسيلة و سوّى فيه بين الغصب و الحقّ و بين الخداع و الصدق و بين مصلحة الرعية و مفسدتها، ففي سبيل الدنيا يعمل لا في سبيل الشهادة.
و من طلب الملك و أباه بالثمن المعيب و طلب الملك حقّا و لم يطلبه لأنّه شهوة و كفى، و طلب الملك و هو يعلم أنّه سيموت دونه لا محالة، و طلب الملك و هو يعتزّ بنصر الإيمان و لا يعتزّ بنصر الجند و السلاح، و طلب الملك دفعا للمظلمة و جلبا للمصلحة كما وضحت له بنور إيمانه و تقواه، فليس ذلك بالعامل الذي يخدم نفسه بعمله، و لكنّه الشهيد الذي يلبّي داعي المروءة و الأريحيّة، و يطيع وحي الإيمان و العقيدة، و يضرب للناس مثلا يتجاوز حياة الفرد الواحد و حياة الأجيال الكثيرة.
و من ثمّ يقيم الآية بعد الآية على حقيقة الحقائق في أمثال هذا الصراع بين الخلقين أو بين المزاجين و التأريخين.
و هي أنّ الشهادة خصم ضعيف مغلوب في اليوم و الأسبوع و العام، و لكنّها أقوى الخصوم الغالبين في الجيل و الأجيال و مدى الأيام..
و هي حقيقة تؤيّدها كلّ نتيجة نظرت إليها بعين الأرض أو بعين السماء على أن تنظر إليها في نهاية المطاف.
و نهاية المطاف هي التي يدخلها نوع الإنسان في حسابه و يوشج عليها و شائج عطفه و إعجابه؛ لأنّه لا يعمل لوجبات ثلاث في اليوم، و لا ينظر إلى عمر واحد بين مهد و لحد، و لكنّه يعمل للدوام و ينظر إلى الخلود.