ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٣٧ - مآثم مخزية
الحسين أن يصيب منهم من يتعرّض للإصابة.. و لكنّه رأى شمر بن ذي الجوشن-أبغض مبغضيه المؤلّبين عليه-يدنو من بيوته و يجول حولها ليعرف منفذ الهجوم عليها، فأبى على صاحبه مسلم بن عوسجة أن يرميه بسهم و قد أمكنه أن يصميه [١] و هو من أسدّ الرماة؛ لأنّه كره أن يبدأهم بعداء [٢] .
***
و كأنّه لمح منهم ضعف النيّة و سوء الدخلة في الدفاع عن مولاهم، و علم أنّهم لا يخلصون في حبّه، و لا يؤمنون بحقّه، و أنّهم يخدمونه للرغبة أو الرهبة، و لا يخدمونه للحقّ و الذمّة.. فطمع أن يقرع ضمائرهم و ينبّه غفلة قلوبهم، و رمى بآخر سهم من سهام الدعوة قبل أن يرمي بسهم واحد من سهام القتال.
فخرج لهم يوما بزي جدّه صلّى اللّه عليه و اله و سلّم متقلّدا سيفه لابسا عمامته و رداءه، و أراهم أنّه سيخطبهم، فكان أوّل ما صنعوه دليلا على صدق فراسته فيهم؛ لأنّ رؤساءهم و مؤلّبيهم أشفقوا أن يتركوا له آذان القوم، فينفذ إلى قلوبهم و يلمس مواقع الإقناع من ألبابهم. فضجّوا بالصياح و الجلبة و أكثروا من العجيج و الحركة؛ ليحجبوا كلامه عن أسماعهم و يتّقوا أثر موعظته فيهم، و هو بتلك الهيئة التي تغضى عنها الأبصار و تعنو لها الجباه.
و لكنّه صابرهم حتّى ملّوا، و ملّ إخوانهم ضجيجهم هذا الذي
[١] أصميت الصيد: إذا رميته فقتلته و أنت تراه. (لسان العرب ٧: ٤١٥) .
[٢] الإرشاد ٢: ٩٦، إعلام الورى ١: ٤٥٨، المنتظم ٥: ٣٣٩.