ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٢٣٠ - حرب النور و الظلام
عداوة المرء ما هو جاهله بعقله و معرض عنه بشعوره؛ لأنّهم يحاربون الحقّ و هم يعلمون.
و من ثمّ كانوا في موقفهم ذاك ظلاما مطبقا، ليس فيه من شعور الواجب بصيص [١] واحد من عالم النور و الفداء.. فكانوا حقّا في يوم كربلاء قوّة من عالم الظلام تكافح قوّة من عالم النور.
أقربهم إلى العذر يومئذ من اعتذر بالفرق و الرهبة؛ لأنّهم أكرهوه بالسيف على غير ما يريد.. فكان الجبن أشرف ما فيهم من خصال السوء.
و كان منهم أناس كتبوا إلى الحسين يستدعونه إلى الكوفة ليبايعوه على حرب يزيد، فلمّا ندبهم عمر بن سعد للقائه و سؤاله أحجموا عمّا ندبهم له و استعفوه؛ لأنّ جوابهم إن سألوه في شأن مجيئه إليهم: إنّني جئتكم ملبّيا ما دعوتم إليه!
و ركب أناسا منهم الفزع الدائم بقيّة حياتهم؛ لأنّهم عرفوا الإثم فيما اقترفوه عرفانا لا تسعهم المغالطة فيه، و من هؤلاء رجل من بني أبان بن دارم كان يقول:
- «قتلت شابا أمرد مع الحسين بين عينيه أثر السجود.. فما نمت ليلة منذ قتلته إلاّ أتاني، فيأخذ بتلابيبي حتّى يأتي جهنّم فيدفعني فيها، فأصبح فما يبقى أحد في الحي إلاّ سمع صياحي» [٢] .
***
[١] البصيص: البريق و اللمعان. (صحاح اللغة ٣: ١٠٣٠) .
[٢] قارن: مقاتل الطالبيين ٧٩، تذكرة الخواص ٢٨٢.