ابو الشهداء الحسين بن علي - عباس محمود العقاد - الصفحة ٨٧ - صراع بين الأريحيّة و المنفعة
أنّه بطش بابن زياد لقد بطش يومئذ بأكبر أنصار يزيد.
و ليقل من شاء: إنّ قتل ابن زياد كان صوابا راجحا، و إنّ التحرّج من قتله كان خطأ فادحا من وجهة السياسة أو من وجهة الأخلاق، فالذي لا يشكّ فيه أنّه إن كان صوابا فهو صواب سهل يستطيعه كثيرون، و إن كان خطأ فهو الخطأ الصعب الذي لا يستطيعه إلاّ القليلون.
كذلك يقول من يقول: إنّ الأريحيّة التي سمت إليها طبائع أنصار الحسين إنّما هي أريحيّة الإيمان الذي يعتقد صاحبه أنّه يموت في نصرة الحسين فيذهب لساعته إلى جنّات النعيم.
فهؤلاء الذين يقولون هذا القول يجعلون المنفعة وحدها باعث الإنسان إلى جميع أعماله، حتّى ما صدر منها عن عقيدة و إيمان، و ينسون أنّ المنفعة وحدها لن تفسر لنا حتّى الغرائز الحيوانيّة التي يصاب من جرّائها الفرد طوعا أو كرها في خدمة نوعه، بل ينسون أنّ أنصار يزيد لا يكرهون جنّات النعيم و لا يكفرون بها، فلماذا لم يطلبوها كما طلبها أنصار الحسين؟ إنّهم لم يطلبوها؛ لأنّهم منقادون لغواية أخرى و لأنّهم لا يملكون عزيمة الإيمان و نخوة العقيدة، و لا تلك القوّة الخلقيّة التي يتغلبون بها على رهبة الموت و يقدعون [١] بها وساوس التعلّق بالعيش و الخنوع للمتعة القريبة.
فلولا اختلاف الطبائع لظهر شغف الناس جميعا بجنّات النعيم على نحو واحد، و مضى الناس على سنّة واحدة في الأريحيّة و الفداء، و مرجع الأمر إذا في آخر المطاف إلى فرق واضح بين طبائع الأريحيين و طبائع النفعيين.
[١] قدعت فلانا: كففته عمّا يريد. (جمهرة اللغة ٢: ٦٦١) .