مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢٨ - كلام لأمير المؤمنين عليه السّلام
وَ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ إِذَا عَرَضَ لَكَ أَمْرَانِ وَ لَمْ يَحْضُرْكَ مَنْ تَثِقُ بِمَشُورَتِهِ فَاجْتَنِبْ أَقْرَبَهُمَا إِلَى هَوَاكَ وَ ذَلِكَ أَنَّ الْهَوَى عِنْدَ أَهْلِ الْحِكْمَةِ عَدُوُّ الْعَقْلِ.
قَالَ بَعْضُ الْمُلُوكِ لِعَابِدَيْنِ فِي زَمَانِهِ مَا يَمْنَعُكُمَا مِنْ إِتْيَانِي وَ أَنْتُمَا عَبْدَانِ لِي قَالا إِنْ صَدَقْتَنَا عَلِمْتَ أَنَّا لَسْنَا بِعَبْدَيْنِ لَكَ وَ لَكِنَّكَ أَنْتَ عَبْدٌ لِعَبِيدِنَا قَالَ وَ كَيْفَ هَذَا قَالا هَلْ تَعْلَمُ أَنَّا نَعْمَلُ شَيْئاً لِغَضَبٍ أَوْ هَوًى قَالَ لَا قَالا فَهَلْ تَفْعَلُ أَنْتَ ذَلِكَ قَالَ نَعَمْ قَالا فَقَدْ مَلَكَتَاكَ وَ قَدْ مَلَكْنَاهُمَا وَ أَنْتَ إِذاً عَبْدٌ لِعَبِيدِنَا.
لِبَعْضِهِمْ
|
إِذَا أَنْتَ لَمْ تَعْصِ الْهَوَى قَادَكَ الْهَوَى |
إِلَى بَعْضِ مَا فِيهِ عَلَيْكَ مَقَالٌ |
|
.
قِيلَ شَيْئَانِ لَا يَعْرِفُ فَضْلَهُمَا إِلَّا مَنْ قَدْ فَقَدَهُمَا الْعَافِيَةُ وَ الشَّبَابُ
مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ع مَا الْجَزَعُ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ وَ مَا الطَّمَعُ فِيمَا لَا يُرْجَى وَ مَا الْحِيلَةُ فِيمَا سَيَزُولُ وَ مَا الشَّيْءُ[١] إِلَّا بِأَصْلِهِ وَ قَدْ مَضَتْ أُصُولٌ نَحْنُ فُرُوعُهَا فَمَا بَقَاءُ فَرْعٍ بَعْدَ ذَهَابِ أَصْلِهِ وَ مَا النَّاسُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا أَغْرَاضٌ تَنْتَصِلُ فِيهَا الْمَنَايَا وَ هُمْ فِيهَا نَهْبُ الْمَصَائِبِ مَعَ كُلِّ جُرْعَةٍ شَرَقٌ[٢] وَ فِي كُلِّ أَكْلَةٍ غَصَصٌ لَا يَنَالُونَ نِعْمَةً إِلَّا بِفِرَاقِ أُخْرَى وَ لَا يُعَمَّرُ مُعَمَّرٌ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِهَدْمِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ وَ أَنْتُمْ أَعْوَانُ الْخَوْفِ عَلَى أَنْفُسِكُمْ فَأَيْنَ الْمَهْرَبُ مِمَّا هُوَ كَائِنٌ وَ إِنَّمَا يَنْقَلِبُ فِي قَدَرِهِ الطَّالِبُ فَمَا أَصْغَرَ الْمُصِيبَةَ الْيَوْمَ مَعَ عِظَمِ الْفَائِدَةِ غَداً وَ أَكْبَرَ خَيْبَةَ الْخَائِبِ فِيهِ وَ السَّلَامُ
قَالَ بَعْضُهُمْ لِآخَرَ وَ اللَّهِ إِنِّي لَأَعْرِفُ أَقْوَاماً لَوْ عَلِمُوا أَنَّ سَفَّ التُّرَابِ يُقِيمُ مَرَاوِدَ[٣] أَصْلَابِهِمْ لَجَعَلُوهُ مَسَدَّةً لِأَرْمَاقِهِمْ إِيثَاراً لِلتَّنَزُّهِ عَنْ عَيْشِ رَقِيقِ الْحَوَاشِي وَ اللَّهِ لَأَنْ أَكُونَ
[١] في بعض النسخ[ و ما السيئ]
[٢] شرق بالماء شرقا بالفتح ثمّ السكون من باب علم: غص في حلقه. غص غصصا بفتحتين بالماء او الطعام من باب نصر: اعترض في حلقه شيء منه
[٣] في بعض النسخ[ يقيم من اود اصلابهم لجعلوه مسكة لارماقهم ايثارا لكثرة عيش رقيق الحواشى] و لنوضح المراد بعون اللّه تعالى فنقول: سف الدواء و السويق سفا: اخذه للاكل يابسا لم يخلطه بسمن و لم يبله بماء. و منه السفوف بالفتح عند الاطباء و المراود جمع المرود بمعنى الميل يكتحل به و محور البكرة بفتحتين و هي آلة يرفع به الاثقال، و الاود بفتح الهمزة و الواو بمعنى الانحناء و الاعوجاج. و المسكة بضم الميم: ما يمسك البدن من طعام و شراب. و الارماق جمع الرمق و هو بقية الحياة. و عيش رقيق الحواشى اي ناعم رغد فالمعنى انهم لو علموا ان اكل التراب جافا يقيم ظهرهم و لا يسقطون على وجوههم جوعا لاقتنعوا به و جعلوه سدا لرمقهم لانهم يؤثرون كثرة التنعم في الآخرة على فانى عيش الدنيا او يوثرون التنزّه عن الدنيا و رغد عيشها على التدنس بها.