مجموعة ورّام (تنبيه الخواطر و نزهة النواظر) - ورّام بن أبي فراس - الصفحة ٢١٨ - زهد سلمان الفارسيّ و قوله ينجو المخفّون
" قِيلَ دَخَلَ رَجُلٌ عَلَى سَلْمَانَ فَلَمْ يَجِدْ فِي بَيْتِهِ إِلَّا سَيْفاً وَ مُصْحَفاً فَقَالَ لَهُ مَا فِي بَيْتِكَ إِلَّا مَا أَرَى قَالَ إِنَّ أَمَامَنَا عَقَبَةً كَئُوداً فَإِنَّا قَدْ قَدَّمْنَا مَتَاعَنَا إِلَى الْمَنْزِلِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا
" وَ قَالَ وَقَعَ حَرِيقٌ بِالْمَدَائِنِ فَأَخَذَ سَلْمَانُ سَيْفَهُ وَ مُصْحَفَهُ وَ خَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ وَ قَالَ هَكَذَا يَنْجُو الْمُخِفُّونَ
" رَوَى عَطَا أَنَّ رَجُلًا دَخَلَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَ بَيْنَ يَدَيْهِ الْمُصْحَفُ وَ هُوَ يَبْكِي وَ قَدْ أَتَى عَلَى قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ وَ تَعَالَى فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَ أَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذابٍ بَئِيسٍ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ أَهْلَكَ الَّذِينَ أَخَذُوا الْحِيتَانَ وَ أَنْجَى الَّذِينَ نَهَوْهُمْ وَ لَا أَدْرِي مَا صَنَعَ بِالَّذِينَ لَمْ يَنْهَوْهُمْ وَ لَمْ يُوَافِقُوا الْمَعْصِيَةَ وَ هِيَ حَالُنَا
وَ مِنْ كَلَامِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا الدُّنْيَا دَارُ مَمَرٍّ وَ الْآخِرَةُ دَارُ مَقَرٍّ فَخُذُوا مِنْ مَمَرِّكُمْ لِمَقَرِّكُمْ وَ لَا تَهْتِكُوا أَسْتَارَكُمْ عِنْدَ مَنْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ أَسْرَارُكُمْ فَإِنَّهُ لَنْ يَسْتَقْبِلَ أَحَدُكُمْ يَوْماً مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا بِفِرَاقِ آخَرَ مِنْ أَجَلِهِ وَ إِنَّ أَمْسِ مَوْعِظَةٌ وَ الْيَوْمَ غَنِيمَةٌ وَ غَداً لَا يُدْرَى مَنْ أَهْلُهُ فَاسْتَصْلِحُوا مَا تَقْدَمُونَ عَلَيْهِ وَ رَاقِبُوا مَا تُرْجَعُونَ إِلَيْهِ أَخْرِجُوا مِنَ الدُّنْيَا قُلُوبَكُمْ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنْهَا أَبْدَانُكُمْ فَفِيهَا خُلِقْتُمْ وَ إِلَى غَيْرِهَا نُدِبْتُمْ إِنَّهُ لَا قَوِيَّ أَقْوَى مِنَ الْخَالِقِ وَ لَا ضَعِيفَ أَضْعَفُ مِنَ الْمَخْلُوقِ وَ لَا مَهْرَبَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ فَكَيْفَ يَهْرُبُ مَنْ يَتَقَلَّبُ فِي يَدَيِ طَالِبِهِ وَ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ص لَا تَغْتَرُّوا بِاللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ لَوْ أَغْفَلَ شَيْئاً لَأَغْفَلَ الذَّرَّةَ وَ الْخَرْدَلَةَ وَ الْبَعُوضَةَ
قَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ أَحَبَّ الدُّنْيَا ذَهَبَ خَوْفُ الْآخِرَةِ مِنْ قَلْبِهِ وَ مَنِ ازْدَادَ عَلَى الدُّنْيَا حِرْصاً لَمْ تَزْدَدِ الدُّنْيَا مِنْهُ إِلَّا بُعْداً وَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُغْضاً. وَ قَالَ الْحَرِيصُ الْجَاهِدُ وَ الْقَانِعُ الزَّاهِدُ كِلَاهُمَا مُسْتَوْفٍ أَكْلَهُ غَيْرَ مَنْقُوصٍ مَا قُدِّرَ لَهُ وَ لَا زَائِدٍ عَلَى رِزْقِهِ فَعَلَامَ التَّهَافُتُ فِي النَّارِ. وَ قَالَ يَا ابْنَ آدَمَ مَا يَضُرُّكَ مَا فَاتَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَ أَصَابَكَ مِنْ شَدَائِدِهَا إِذَا رُزِقْتَ خَيْرَ الْآخِرَةِ وَ مَا يَنْفَعُكَ مَا أَصَبْتَ مِنَ الدُّنْيَا وَ نَالَكَ مِنْ لَذَّاتِهَا إِذَا حُرِمْتَ خَيْرَ الْآخِرَةِ.