تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٧٩
مريضاً. و حكي عن غيرهم سماعاً منهم: أغويت فلاناً أهلكته، و غوي الفصيل إذا فقد اللبن فمات: بكسر الواو في الماضي، و فتحها في المستقبل، و منه قوله تعالي «وَ عَصي آدَمُ رَبَّهُ فَغَوي»[١] اي خاب من الثواب ألذي کان يحصل له بتركه.
و الوجه الثاني- أن يکون جري علي عادة العرب في تسمية العقوبة باسم الشيء المعاقب عليه، فيكون المعني ان کان اللّه يريد عقوبتكم علي اغوائكم الخلق و اضلالكم إياهم، فسمي عقوبته إياهم علي اغوائهم إغواء کما قال «وَ جَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ»[٢] «وَ مَكَرُوا وَ مَكَرَ اللّهُ»[٣] و «اللّهُ يَستَهزِئُ بِهِم»[٤] و نظائر ذلک كثيرة. و مثله قوله حكاية إبليس «فَبِما أَغوَيتَنِي»[٥] فانه يحتمل هذين الوجهين، الأول يحتمل أن يکون فبما خيبتني، و الثاني- فبما جازيتني علي اغوائي الخلق عن الهدي. و لا يجوز أن يکون المراد بذلك أن يجعلهم كفاراً علي ما يذهب اليه المجبرة، لأن الإغواء بمعني الدعاء الي الكفر او فعل الكفر لا يجوز عليه تعالي. لقبحه كقبح الامر بالكفر. و النصح اخلاص العمل من الفساد علي الاجتهاد فيه. و النصح نقيض الغش. و کان نصح نوح لقومه اعلامهم موضع الغي ليتقوه، و موضع الرشد ليتبعوه. و انما شرط النصح بالارادة- في قوله «إِن أَرَدتُ أَن أَنصَحَ» مع وقوع هذا النصح- استظهاراً في الحجة، لأنهم ذهبوا الي أنه ليس بنصح، فقال: لو کان نصحاً ما نفع من لا يقبله. و قوله «هُوَ رَبُّكُم وَ إِلَيهِ تُرجَعُونَ» اخباره من نوح أن اللّه ألذي عذبكم و خيبكم من رحمته هو ألذي خلقكم و يميتكم ثم يردكم بأن يحييكم ليجازيكم علي أفعالكم و يعاقبكم علي كفركم بنعمه حيث لا ينفعكم استدراك ما فات، و لا ينفعكم الندم علي ما مضي. و قال الحسن:
معني الاية ان کان اللّه يريد أن يعذبكم و ينزل بكم عذابه فأنتم عند ذلک لا ينفعكم
[١] سورة ٢٠ طه آية ١٢١
[٢] سورة ٤٢ الشوري آية ٤٠
[٣] سورة ٣ آل عمران آية ٥٤
[٤] سورة ٢ البقرة آية ١٥
[٥] سورة ٧ الاعراف آية ١٥ و سورة ١٥ الحجر آية ٣٩