تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٢٥
قوله تعالي: [سورة التوبة (٩): آية ٤٢]
لَو كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لاتَّبَعُوكَ وَ لكِن بَعُدَت عَلَيهِمُ الشُّقَّةُ وَ سَيَحلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ استَطَعنا لَخَرَجنا مَعَكُم يُهلِكُونَ أَنفُسَهُم وَ اللّهُ يَعلَمُ إِنَّهُم لَكاذِبُونَ (٤٢)
هذه الاية في قوم تخلفوا عن النبي صلي الله عليه و آله و لم يخرجوا معه الي غزوة تبوك.
و حسن الكناية عنهم و إن لم يجر لهم ذكر لكونهم داخلين في جملة الّذين أمروا بالخروج مع النبي صلي الله عليه و آله الي الجهاد و أن ينفروا معه. و المعني لو کان المدعو اليه عرضاً قريباً من الغنيمة و ما يطمع فيه من المال «وَ سَفَراً قاصِداً» معناه سفراً سهلا باقتصاده من غير طول في آخره. و سمي العدل قصداً، لأنه مما ينبغي أن يقصد «لَاتَّبَعُوكَ» يعني خرجوا معك و بادروا الي اتباعك «وَ لكِن بَعُدَت عَلَيهِمُ الشُّقَّةُ» اي بعدت عليهم المسافة، لأنهم دعوا الي الخروج الي تبوك ناحية الشام، فالشقة القطعة من الإرض الّتي يشق ركوبها علي صاحبها لبعدها. و يحتمل أن يکون من الشق و يحتمل ان يکون من المشقة. و الشقة السفر و المشاقة. و قريش يضمون الشين، و قيس يكسرونها. و قريش يضمون العين من (بعدت).
و قوله «وَ سَيَحلِفُونَ بِاللّهِ لَوِ استَطَعنا لَخَرَجنا مَعَكُم» اخبار منه تعالي ان هؤلاء الّذين ذكرهم يحلفون و يقسمون علي وجه الاعتذار اليك و يقولون فيما بعد «لَوِ استَطَعنا لَخَرَجنا مَعَكُم» اي لو قدرنا و تمكنا من الخروج لخرجنا معكم ثم اخبر تعالي انهم «يُهلِكُونَ أَنفُسَهُم» بذلك و اخبر تعالي انه يعلم انهم يكذبون في هذا الخبر ألذي أقسموا عليه. و في الاية دلالة علي أن الاستطاعة قبل الفعل لأنهم لا يخلون من احد أمرين: إما أن يكونوا مستطيعين من الخروج و قادرين عليه و لم يخرجوا او لم يكونوا قادرين عليه و إنما حلفوا أنهم لو قدروا في المستقبل