تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٤٠
و قوله: «إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ» معناه قادر و قد يکون القوي بمعني الشديد، و ذلک لا يجوز إطلاقه علي اللّه، و كذلك لا يوصف بأنه شديد العقاب و إنما وصف عقابه بأنه شديد دون اللّه تعالي.
فمعني الآية تشبيه حال المشركين في تكذيبهم بآيات اللّه الّتي اتي بها محمّد صلي الله عليه و آله بحال آل فرعون في التكذيب بآيات اللّه الّتي اتي بها موسي عليه السلام لأن تعجيل العقاب لهؤلاء بالإهلاك كتعجيله لأولئك بعذاب الاستئصال.
قوله تعالي: [سورة الأنفال (٨): آية ٥٣]
ذلِكَ بِأَنَّ اللّهَ لَم يَكُ مُغَيِّراً نِعمَةً أَنعَمَها عَلي قَومٍ حَتّي يُغَيِّرُوا ما بِأَنفُسِهِم وَ أَنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)
الاشارة بقوله: «ذلک» الي ما تقدم ذكره من أخذ اللّه الكفار بالعقاب فكأنه قال ذلک العقاب المدلول عليه بأن اللّه لا يغير النعمة الي النقمة إلا بتغيير النفس الي الحال القبيحة، ف «ذلک» ابتداء و خبره «بان اللّه» کما يقول القائل: العقاب بذنوب العباد، و الكاف في «ذلک» للخطاب و «ذلک» إشارة الي البعيد و «ذاك» إشارة الي ما دونه، و «ذا» اشارة الي ما هو حاضر. و قوله «لم يك» أصله يکون فحذفت الواو للجزم و التقاء الساكنين، ثم حذفت النون استخفافاً لكثرة الاستعمال مع انه لا يقع بالحذف إخلال بالمعني، لأن «کان و يکون» أم الافعال الا تري أن کل فعل فيه معناها، لأنك إذا قلت ضرب معناه کان ضرب، و يضرب معناه يکون يضرب فلما قربت بأنها ام الأفعال و كثر استعمالها احتمل الحذف و لم يحتمل نظائرها، و ذلک مثل لم يجز و لم يصن کما جاز فيها. و التغيير تصيير الشيء علي خلاف ما کان بما لو شوهد لشوهد علي خلاف ما کان. و انما قيل بما لو شوهد لشوهد علي خلاف ما کان للتفريق بينه و بين ما يصير علي خلاف ما کان بالحكم فيه بما لم يكن عليه،