تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٧١
و الرزق العطاء الجاري يقال: رزق السلطان الجند، الا ان کل رزق، فاللّه رازق به، لأنه لو لم يطلقه علي يد الإنسان لم يجئ منه شيء. و الواحد منا يرزق غيره إلا أنه لا يطلق اسم رازق إلا علي اللّه، کما لا يقال: (ربّ) بالإطلاق إلا في اللّه و في غيره يقيد، فيقال رب الدار و رب الفرس. و يطلق فيه، لأنه يملك الجميع غير مملك. و كذلك هو تعالي رازق الجميع غير مرزوق، و لا يجوز أن يخلق اللّه حيواناً يريد تبقيته إلا و يرزقه، لأنه إذا أراد بقاءه فلا بدّ له من الغذاء. فان لم يرد تبقيته كالذي يولد ميتاً فانه لا رزق له في الدنيا. و قوله «أَمَّن يَملِكُ السَّمعَ وَ الأَبصارَ» يعني من ألذي له التصرف فيها بلا مانع يمنعه منها و ان شاء أصحها و ان شاء أمرضها. و «مَن يُخرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ» معناه من ألذي يخلق الحيوان و يخرجه من امه حياً سوّياً إذا ماتت أمه «وَ يُخرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ» يعني من يخرجه غير تام و لا بالغ حدّ الكمال. و قيل: معناه انه يخرج الحي من النطفة، و هي ميتة و يخرج النطفة من الحي. و قيل: يخرج المؤمن من الكافر و الكافر من المؤمن.
و «مَن يُدَبِّرُ الأَمرَ» اي و من ألذي يدبر جميع الأمور في السما و الإرض!
و ليس جواب ذلک لمن أنصف و لم يكابر الا ان يقول: اللّه الفاعل لجميع ذلک.
و إذا قالوا ذلک و اعترفوا به قيل لهم «أَ فَلا تَتَّقُونَ» و معناه فهلا تتقون خلافه و تحذرون معاصيه! و في الاية دلالة علي التوحيد، لأن ما ذكره في الاية يوجب أن المدبر واحد و لا يجوز أن يقع ذلک اتفاقاً، لا حالة العقل ذلک، و لا يجوز أن يقع بالطبيعة، لأنها في حكم الموات لو كانت معقولة، فلم يبق بعد ذلک إلا ان الفاعل لذلك قادر عالم يدبره علي ما يشاء، و هو اللّه تعالي، مع ان الطبيعة مدبَّرة- مفعولة- فكيف تكون هي المدِّبرة و إنما دخلت (أم) علي (من) لأن (من) ليست أصل الاستفهام بل أصله الألف، فلذلك جاز الجمع بينهما.