تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٦٩
قال أبو علي النحوي: من فتحها حملها علي (أرسلنا) أي أرسلناه بأني لكم و لم يقل إنه انتقل عن الغيبة الي الخطاب، و مثله كثير، قال اللّه تعالي «وَ كَتَبنا لَهُ فِي الأَلواحِ مِن كُلِّ شَيءٍ مَوعِظَةً» ثم قال بعده «فَخُذها بِقُوَّةٍ»[١] فكذلك الآية. و من كسر يضمر القول قبلها كأنه قال: أرسلنا نوحاً الي قومه فقال: إني لكم نذير، و مثله كثير، قال اللّه تعالي «وَ المَلائِكَةُ يَدخُلُونَ عَلَيهِم مِن كُلِّ بابٍ سَلامٌ عَلَيكُم»[٢] اي يقولون: سلام عليكم، و قوله تعالي «وَ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَولِياءَ ما نَعبُدُهُم إِلّا لِيُقَرِّبُونا إِلَي اللّهِ زُلفي»[٣] أي قالوا:
ما نعبدهم، و يکون الكلام علي ظاهره لم يرجع من الغيبة الي الخطاب. و ليس لأحد أن يرجح القراءة بالفتح من حيث أن ما بعده من قوله «أَن لا تَعبُدُوا إِلَّا اللّهَ» محمول علي الإرسال، فإذا فتحت کان أشكل بما بعدها لحملهما جميعاً علي الإرسال. و ذلک أن من كسر حمل قوله «اني لكم» و ما بعده علي الاعتراض بين المفعول و ما يتصل به مما بعده، کما أن قوله «إِنَّ الهُدي هُدَي اللّهِ» اعتراض بينهما في قوله «وَ لا تُؤمِنُوا إِلّا لِمَن تَبِعَ دِينَكُم قُل إِنَّ الهُدي هُدَي اللّهِ أَن يُؤتي أَحَدٌ مِثلَ ما أُوتِيتُم»[٤] فكذلك قوله «إِنِّي لَكُم نَذِيرٌ مُبِينٌ» لان التقدير و لقد أرسلنا نوحاً لانذار أن لا تعبدوا الا اللّه إني أنذركم لتوحدوا اللّه و أن تتركوا عبادة غيره.
أقسم اللّه تعالي في هذه الآية أنه أرسل نوحاً و أمره أن يقول لهم: إني مؤد عن اللّه و مخوفكم من عقابه و ترك طاعاته، لأن اللام في قوله «لقد» لام القسم، و هي تدخل علي الفعل و الحرف ألذي يختص بالفعل مما يصح معناه معه، و لام الابتداء للاسم خاصة. و معني (قد) وقوع الخبر علي وجه التقريب من الحال تقول: قد ركب الأمير- لقوم يتوقعون ركوبه-.
[١] سورة ٧ الاعراف ١٤٤
[٢] سورة ١٣ الرعد آية ٢٥- ٢٦
[٣] سورة ٣٩ الزمر آية ٣
[٤] سورة ٣ آل عمران آية ٧٣