تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١٨٩
قوله تعالي: [سورة التوبة (٩): آية ١٨]
إِنَّما يَعمُرُ مَساجِدَ اللّهِ مَن آمَنَ بِاللّهِ وَ اليَومِ الآخِرِ وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَي الزَّكاةَ وَ لَم يَخشَ إِلاَّ اللّهَ فَعَسي أُولئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ المُهتَدِينَ (١٨)
اخبر اللّه تعالي في هذه الآية انه ينبغي الا «يَعمُرُ مَساجِدَ اللّهِ» إلا «مَن آمَنَ بِاللّهِ» و أقر بوحدانيته و اعترف باليوم الآخر يعني يوم القيامة ثم اقام بعد ذلک «الصلاة» بحدودها. و أعطي «الزكاة» الواجبة- ان وجبت عليه- مستحقيها و لم يخف سوي اللّه احداً من المخلوقين، فإذا فعلوا ذلک فإنهم يكونون من المهتدين الي الجنة و نيل ثوابها، لأن عسي من اللّه واجبة ليست علي طريق الشك، و هو قول إبن عباس و الحسن. و قال قوم: انما قال عسي ليكونوا علي طريق الحذر، مما يحبط أعمالهم، و يدخل في عمارة المساجد عمارتها بالصلاة فيها، و الذكر للّه. و العبادة له، لأن تجديد احوال الطاعة للّه من أوكد الأسباب الّتي تكون بها عامرة، کما ان إهمالها من أوكد الأسباب في اخرابها، و ذكر قوله «وَ أَقامَ الصَّلاةَ وَ آتَي الزَّكاةَ وَ لَم يَخشَ إِلَّا اللّهَ» بعد ذكر قوله «مَن آمَنَ بِاللّهِ وَ اليَومِ الآخِرِ» يدل علي ان الايمان لا يقع علي أفعال الجوارح، لأنه لو کان الايمان متناولا لذلك اجمع لما جاز عطف ما دخل فيه عليه. و من حمل ذلک علي ان المراد به التفصيل و زيادة البيان فيما يشتمل علي الايمان تارك للظاهر. و الخشية انزعاج النفس لتوقع ما لا يؤمن من الضرر تقول: خشي يخشي خشية فهو خاش، و مثله خاف يخاف خوفاً و مخافة، فهو خائف. و الخاشي نقيض الآمن. و الاهتداء المذكور في الآية هو التمسك بطاعة اللّه الّتي تؤدي الي الجنة و فاعلها يسمي مهتدياً.