تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٣٦
تربص المنافقين بالمؤمنين تمسك بما يؤدي الي الهلاك و ذلک قبيح لا يريده اللّه و لا يأمر به. و قال الفراء: العرب تدغم لام هل و بل في التاء خاصة و هو كثير في كلامهم.
قوله تعالي: [سورة التوبة (٩): آية ٥٣]
قُل أَنفِقُوا طَوعاً أَو كَرهاً لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم إِنَّكُم كُنتُم قَوماً فاسِقِينَ (٥٣)
أمر اللّه تعالي نبيه صلي الله عليه و آله ان يقول لهؤلاء المنافقين «أنفقوا» و صورته صورة الامر و فيه ضرب من التهديد و هو مثل قوله «فَمَن شاءَ فَليُؤمِن وَ مَن شاءَ فَليَكفُر»[١] و انما هو بيان عن توسعة التمكين من الطاعة و المعصية، و قال قوم: معناه الخبر ألذي تدخل (إن) فيه للجزاء کما قال كثير:
اسيئي بنا او احسني لا ملومة لدينا و لا مقلية ان تقلت[٢]
كأنه قال: إن أحسنت أو أسأت لم تلامي، و إنما حسن ان يأتي بصيغة الأمر علي معني الخبر بتوسعة التمكين لأنه بمنزلة الأمر في طلب فعل ما يتمكن ألذي قد عرفه المخاطب، كأنه قيل اعمل بحسب ما يوجبه الحق فيما مكنت من الامرين.
و وجه آخر أن کل واحد من الضربين كالمأمور به في انه لا يعود و بال العائد الا علي المأمور. و قوله «طوعا» فالطوع الانقياد بارادة لمن عمل عليها. و الكره فعل الشيء بكراهة حمل عليها. و قوله «لَن يُتَقَبَّلَ مِنكُم» معناه لا يجب لكم به الثواب علي ذلک مثل تقبل الهدية و وجوب المكافاة و تقبل التوبة و إيجاب الثواب عليها، و مثله في کل طاعة.
و قوله «إِنَّكُم كُنتُم قَوماً فاسِقِينَ» اخبار منه تعالي و خطاب لهؤلاء المنافقين بأنهم كانوا فاسقين متمردين عن طاعة اللّه، فلذلك لم يقبل نفقاتهم و إنما كانوا ينفقون
[١] سورة ١٨ الكهف آية ٢٩
[٢] معاني القرآن ١/ ٤٤١ و قد مر في ١/ ٣٢٧