تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٥٨
قوله تعالي: [سورة يونس (١٠): آية ٢١]
وَ إِذا أَذَقنَا النّاسَ رَحمَةً مِن بَعدِ ضَرّاءَ مَسَّتهُم إِذا لَهُم مَكرٌ فِي آياتِنا قُلِ اللّهُ أَسرَعُ مَكراً إِنَّ رُسُلَنا يَكتُبُونَ ما تَمكُرُونَ (٢١)
روي روح «يمكرون» بالياء. الباقون بالتاء.
أخبر اللّه تعالي بأنه إذا أذاق النّاس يعني الكافرين «رحمة» بأن أنعم عليهم و أوسع أرزاقهم و أخصب أسعارهم «مِن بَعدِ ضَرّاءَ» يعني بعد شدة كانوا فيها من جدب و ضيق نالتهم «مكروا في آياتنا» فجواب (إذا) الأولي في (إذا) الثانية و إنما جعلوا (إذا) جواباً إذا كانت بمعني الجملة علي ما فيها من المفاجأة، کما قال تعالي «وَ إِن تُصِبهُم سَيِّئَةٌ بِما قَدَّمَت أَيدِيهِم إِذا هُم يَقنَطُونَ»[١]. و حقيقة الذوق تناول ما له طعم بالفم ليوجد طعمه. و انما قال: اذقناهم الرحمة علي طريق البلاغة لشدة إدراك الحاسة. و المكر فتل الشيء الي غير وجهه علي طريق الحيلة فيه، فهؤلاء محتالون لدفع آيات اللّه بكل ما يجدون السبيل اليه من شبهة او تخليط في مناظرة أو غير ذلک من الأمور الفاسدة. و قال مجاهد: مكرهم استهزاؤهم و تكذيبهم.
فقال اللّه لنبيه صلي الله عليه و آله «قُلِ» لهم «اللّهُ أَسرَعُ مَكراً» يعني اقدر جزاء علي المكر، و ذلک أنهم: جعلوا جزاء النعمة المكر مكان الشكر، فقوبلوا بما هو أشد. و السرعة عمل الشيء في وقته ألذي هو أحق به، و المعني: إن ما يأتيهم من العقاب اسرع مما أتوه من المكر اي وقع في حقه. و قوله «إِنَّ رُسُلَنا يَكتُبُونَ ما تَمكُرُونَ» إخبار منه تعالي أن ملائكة اللّه الموكلين بهم يكتبون ما يمكرون من كفرهم و تكذيبهم، ففي ذلک غاية الزجر و التهديد علي ما يفعلونه من المكر و الحيل في امر النبي صلي الله عليه و آله
[١] سورة ٣٠ الروم آية ٣٦