تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٨٦
«لَيَجمَعَنَّكُم إِلي يَومِ القِيامَةِ»[١] و النون و الياء متعارفان في مثل هذا بدلالة قوله «وَ كَذلِكَ نَجزِي مَن أَسرَفَ وَ لَم يُؤمِن بِآياتِ رَبِّهِ»[٢] فعلم من هذا ان کل واحد منهما يجري مجري الآخر.
يقول اللّه تعالي في هذه الآية أنه يوم يحشر الخلق الي المحشر و الموقف «كَأَن لَم يَلبَثُوا إِلّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ» عند أنفسهم، لقلة بقائهم فيها و سرعة تصرمها عنهم مع طول وقوفهم يوم القيامة و مع علمهم بدوام بقائهم في الآخرة، شبه قرب الوقت الي ذلک الحين بساعة من النهار لأن کل ما هو آت قريب، کما قال «اقتَرَبَتِ السّاعَةُ»[٣] و دل بذلك علي أنه لا ينبغي لأحد أن يغتر بطول ما يأمله من البقاء في الدنيا إذ کان عاقبة ذلک الي الزوال. و قوله «يَتَعارَفُونَ بَينَهُم» اخبار منه تعالي أن الخلق يعرّف بعضهم بعضاً في ذلک الوقت خسرانهم و يتذاكرونه. و قوله «قَد خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللّهِ» اخبار منه تعالي بأن الّذين كذبوا بالبعث و النشور و لقاء ثواب اللّه و لقاء عقابه يخسرون نفوسهم. و الخسران ذهاب رأس المال، فالنفس أكبر من رأس المال. و قوله «وَ ما كانُوا مُهتَدِينَ» معناه لا يكونون مهتدين الي طريق الجنة لكونهم مستحقين للعقاب. و قال الزجاج: معني الآية قرب ما بين موتهم و بعثهم کما قالوا «لَبِثنا يَوماً أَو بَعضَ يَومٍ»[٤] و «يَتَعارَفُونَ بَينَهُم» أي يعرف بعضهم بعضاً، و في ذلک توبيخ لهم و إثبات الحجة عليهم.
قوله تعالي: [سورة يونس (١٠): آية ٤٦]
وَ إِمّا نُرِيَنَّكَ بَعضَ الَّذِي نَعِدُهُم أَو نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَينا مَرجِعُهُم ثُمَّ اللّهُ شَهِيدٌ عَلي ما يَفعَلُونَ (٤٦)
[١] سورة ٤ النساء آية ٨٦ و سورة ٦ الانعام آية ١٢
[٢] سورة ٢٠ طه آية ١٢٧
[٣] سورة ٥٤ القمر آية ١
[٤] سورة ٢٣ المؤمنون آية ١١٤، و سورة ١٨ الكهف آية ١٩