تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ١١٦
و معني الآية الاخبار من اللّه تعالي أنه لم تكن صلاة هؤلاء الكفار الصادين عن المسجد الحرام «إلا مكاء» لئلا يظن ظان ان مع كونهم مصلين و مستغفرين لا يعذبهم اللّه، کما قال في الآية الاولي، فبين ان صلاتهم كانت مكاء و تصدية.
و المكاء صفير كصفير المكاء. و هو طائر يکون بالحجاز و له صفير قال الشاعر:
و مكا بها فكأنما يمكو بأعصم عاقل[١]
و أصل المكاء جمع الريح للصفير. و يقال مكا يمكو مكاء إذا صفر بفيه و منه يمكو است الدابة إذا انتفخت بالريح. و الاست: الكوة، و المكو ان يجمع الرجل يديه ثم يدخلهما في فيه ثم يصيح. و منه قول عنترة:
و حليل غانية تركت مجدلا تمكو فريضته كشدق الا علم[٢]
اي يصفر بالريح لما طعنه و التصدية التصفيق يقال صدي يصدي تصدية إذا صفق بيديه. و منه الصدي صوت الجبل، و نحوه. و منه تصدي للملك إذا تعرض له ليكلمه. و قال إبن عباس، و إبن عمر، و الحسن، و عطية، و مجاهد، و قتادة و السدي: المكاء الصفير، و التصدية التصفيق، قال الراجز:
ضنت بخد و جلت عن خد فأنا من غر و الهوي أصدي
أي اصفق بيدي تعجباً. و الغرو: العجب.
و قال ابو علي الجبائي: کان بعضهم يتصدي لبعض ليراه بذلك الفعل، و کان يصفر له. و قال سعيد بن جبير و إبن زيد: التصدية صدهم عن البيت الحرام. و قيل:
إنهم كانوا يخلطون و يشوشون بذلك علي النبي صلي الله عليه و آله.
و إنما سمي مكاؤهم بأنه صلاة لأمرين:
[١] مجاز القرآن ١/ ٢٤٦
[٢] ديوانه: ٢٤ من معلقته الشهيرة. و اللسان (مكا) و تفسير القرطبي ٧/ ٤٠٠ و الطبري ١٣/ ٥٢١.