تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٧٣
أي خفي الهدي ألا تري أن الهدي ليس بذي جارحة تلحقها هذه الآفة، و قد قيل للسحاب: العمي لخفاء ما يخفيه، کما قيل له: الغمام و من ذلک قول زهير:
و لكنني عن علم ما في غد عمي[١]
و من شدد اعتبر قراءة الأعمش فانه قرأها فعمّاها عليهم. و روي ذلک الفراء عن أبي، و المعنيان متقاربان. قال الفراء: يقال عمي علي الخبر و عمي بمعني واحد.
حكي اللّه تعالي عن نوح ما قاله لقومه جواباً عما قالوه له مما حكيناه فانه «قالَ يا قَومِ أَ رَأَيتُم إِن كُنتُ عَلي بَيِّنَةٍ» أي برهان و حجة من المعجزة الّتي تشهد بصحة النبوة. و خصهم بهذا إذ هو طريق العلم بالحق لا ما التمسوا من اختلاف الخلق. و قوله «آتانِي رَحمَةً مِن عِندِهِ» يرّد عليهم ما ادعوه من أنه ليس له عليهم فضل، فبين ذلک بالهداية الي الحق من جهة البرهان المؤدي الي العلم. و قوله «فعميت» يحتمل أمرين: أحدهما- خفيت عليكم، لأنكم لم تسلكوا الطريق المؤدي اليها. و الاخر- ان يکون المعني عميتم عنها، و أضاف العمي الي البينة لما عموا عنها لضرب من المجاز، لأن المعني ظاهر في ذلک، کما يقال: ادخلت الخاتم في يدي و القلنسوة في راسي، و المراد ادخلت يدي في الخاتم و رأسي في القلنسوة.
و من قرأ بتشديد الميم و ضم العين أضاف التعمية الي غيرهم ممن صدهم عن النظر فيها و أغواهم في ذلک من الشياطين و المضلين عن الحق.
و قوله «أَ نُلزِمُكُمُوها وَ أَنتُم لَها كارِهُونَ» أ نضطركم الي موجب البينة مع العلم مع كراهتكم لذلك فيبطل تكليفكم الاستدلال بالبينة المؤدية الي المعرفة أي اضطركم الي حال الضرورة. و وجه آخر- و هو أن يکون المراد إن ألذي علي أن أدل بالبينة، و ليس علي أن اضطركم الي المعرفة.
و في قوله «أ نلزمكموها» ثلاث مضمرات ضمير المتكلم و ضمير المخاطب و ضمير الغائب، و هو أحسن ترتيب: بدأ بالمتكلم، لأنه أخص بالفعل ثم بالمخاطب
[١] اللسان (عمي)