تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٥٦
آية في الكوفي و البصري و آيتان في المدنيين آخر الأولي «و ثمود» قوله «ألم» صورته صورة الاستفهام، و المراد به التقرير و التحذير. و إنما حسن في الاستفهام أن يخرج الي معني التقرير لأن الاحتجاج بما يلزمهم الإقرار به فقال اللّه تعالي مخاطباً لنبيه: أ لم يأت هؤلاء المنافقين الّذين وصفهم خبر من کان قبلهم من قوم نوح و عاد و ثمود و قوم ابراهيم و أصحاب مدين، علي وجه الاحتجاج عليهم فيتعظوا، لأن الأمم الماضية و القرون السالفة إذا کان اللّه تعالي إنما أهلكها و دمرها لتكذيبها رسلها کان ذلک واجباً في کل أمة يساوونهم في هذه العلة، فأقل أحوالهم ألا يأمنوا أن ينزل بهم مثل ما نزل بأولئك. قال الرماني: و الحكمة تقتضي إذا تساوي جماعة في استحقاق العقاب ان لا يجوز العفو عن بعضهم دون بعض مع تساويهم في الأحوال. و انما يجوز العدول من قوم الي قوم في الواحد منا للحاجة و هذا يتم علي قول من يقول بالأصلح، و من لا يقول بذلك يقول: هو متفضل بذلك و له ان يتفضل علي من يشاء و لا يلزم ان يفعل ذلک بكل مكلف.
و قوله «وَ المُؤتَفِكاتِ» قال الحسن و قتادة: هي ثلاث قرّيات لقوم لوط و لذلك جمعها بالألف و التاء. و قال في موضع آخر «وَ المُؤتَفِكَةَ أَهوي»[١] فجاء به علي طريق الجنس. قال الزجاج: معناه ائتفكت بأهلها انقلبت. و مدين إبن ابراهيم اسم له. و قوله «أَتَتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّناتِ» معناه جاءت هؤلاء المذكورين الرسل من عند اللّه معها حجج و دلالات علي صدقها فكذبوا بها فأهلكهم اللّه، و حذف لدلالة الكلام عليه. ثم قال «فَما كانَ اللّهُ لِيَظلِمَهُم» اي لم يكن اللّه ظالماً لهم بهذا الإهلاك «وَ لكِن كانُوا أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ» بأن فعلوا من الكفر و المعاصي ما استحقوا به الهلاك.
[١] سورة ٥٣ النجم آية ٥٣