تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٣٥
فيقبل اللّه توبته قبل ان يتحقق الموت، فإذا تحققه لم يقبل بعد ذلک توبته. و قد قال اللّه تعالي «وَ كُنتُم عَلي شَفا حُفرَةٍ مِنَ النّارِ فَأَنقَذَكُم مِنها»[١] و لا يدل ذلک علي انهم كانوا دخلوا النار فأنقذوا منها فكذلك لا يمتنع ان يکون كشف عنهم العذاب و ان لم يكن حل بهم و لا عاينوه إذا کان قد قرب منهم و استحقوه في الحكم.
قوله تعالي: [سورة يونس (١٠): آية ٩٩]
وَ لَو شاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَمِيعاً أَ فَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّي يَكُونُوا مُؤمِنِينَ (٩٩)
أخبر اللّه تعالي في هذه الآية انه لو شاء و أراد «لَآمَنَ مَن فِي الأَرضِ كُلُّهُم جَمِيعاً» فكلهم رفع لأنه تأكيد ل (من) و هي مرتفعة بالايمان (و جميعاً) منصوب علي الحال. و المشيئة و الارادة و الإيثار و الاختيار نظائر، و انما يختلف عليهم الاسم بحسب مواقعها علي ما بيناه في الأصول. و قيل: إن الشيء مشتق من المشيئة لأنه مما يصح ان يذكر و يشاء، کما اشتقوا المعني من عنيت.
و معني الآية الاخبار عن قدرة اللّه و انه يقدر علي ان يكوّن الخلق علي الايمان، کما قال «إِن نَشَأ نُنَزِّل عَلَيهِم مِنَ السَّماءِ آيَةً فَظَلَّت أَعناقُهُم لَها خاضِعِينَ»[٢] و انما أراد بذلك الاخبار عن قدرته بلا خلاف، و لذلك قال بعد ذلک «أَ فَأَنتَ تُكرِهُ النّاسَ حَتّي يَكُونُوا مُؤمِنِينَ» و معناه انه لا ينبغي ان يريد إكراههم لان اللّه عز و جل يقدر عليه و لا يريده، لأنه ينافي التكليف، و أراد بذلك تسلية النبي صلي الله عليه و آله و التخفيف عنه مما يلحقه من التحسر و الحرص علي ايمانهم.
و في الاية دلالة علي بطلان قول المجبرة، فانه تعالي لم يزل شائياً و انه لا يوصف بالقدرة ايضاً، لأنه تعالي اخبر انه لو يشاء لقدر عليه لكنه لم يشأ فلذلك لم
[١] سورة ٣ آل عمران آية ١٠٣
[٢] سورة ٢٦ الشعراء آية ٤