تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٨٩
و قطع بنانهم جزاء بما شاقوا اللّه و رسوله. قال الزجاج: معناه جانبوا اللّه، اي صاروا في جانب غير جانب المؤمنين، و مثله حاربوا اللّه. و «الشقاق» أصله الانفصال من قولهم: انشق انشقاقاً، و شقه شقاً، و اشتق القوم إذا مر بينهم، و شاقه شقاقاً إذا صار في شق عدوه عليه، و تشقق تشققاً، و شقق تشقيقاً، و منه اشتقاق الكلام لأنه انفصال الكلمة عما يحتمله الأصل. و معني «شَاقُّوا اللّهَ» شاقوا اولياء اللّه کما قال «إِنَّ الَّذِينَ يُؤذُونَ اللّهَ وَ رَسُولَهُ»[١]. و قوله «وَ مَن يُشاقِقِ اللّهَ» يجوز في العربية الاظهار و الإدغام، فاما أن يأتي علي الأصل للحاجة إلي حركة الأول، و إما ان يحرك الثاني- لالتقاء الساكنين- بالكسر. و يجوز الفتح و الأول أجود مع الألف و اللام لتأكد سببه.
و قوله «فَإِنَّ اللّهَ شَدِيدُ العِقابِ» شدة العقاب عظمه بجنس فوق جنس أدني منه، لأن العظم علي ضربين: أحدهما- بالتضاعف في المرتبة الواحدة. و الثاني- بالترقي الي مرتبة بجنس يخالف الجنس ألذي في ادني مرتبة.
قوله تعالي: [سورة الأنفال (٨): آية ١٤]
ذلِكُم فَذُوقُوهُ وَ أَنَّ لِلكافِرِينَ عَذابَ النّارِ (١٤)
العامل في «ذلكم» يحتمل احد وجهين: أحدهما- الابتداء علي تقدير الأمر «ذلكم»، قال الزجاج: من قال: إنه يرفع «ذلكم» بما عاد عليه من الهاء او بالابتداء و جعل «فذوقوه» الخبر، فقد أخطأ، لأن ما بعد الفاء لا يکون خبر المبتدأ لا يجوز «زيد فمنطلق» و لا «زيد فاضربه» الا ان تضمر هذا كقول الشاعر:
و قائلة خولان فانكح فتاتهم و أكرومة الحيين خلو کما هيا[٢]
أي هذه خولان. الثاني- أن يکون نصباً بذوقوا، کما تقول: زيداً فاضربه.
[١] سورة ٣٣ الأحزاب آية ٥٧
[٢] اللسان (خلا)