تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٥٤
لان معناه ولداً صالحاً، و يريد بذلك الجنس. و إن کان لفظه واحداً، و إذا تقدم مذكوران و عقبا بأمر لا يليق بأحدهما وجب ان يضاف الي الاخر، و الشرك لا يليق بآدم، لأنه نبي نزهه اللّه عن ذلک، و عن جميع القبائح، و يلق بكفار ولده و نسله فوجب ان نرده اليهم.
و قال الزجاج و إبن الأخشاد: جعل من کل نفس زوجها كأنه قال: و جعل من النفس زوجها علي طريق الجنس و أضمر لتقدم الذكر.
و قال ابو مسلم محمّد بن بحر الاصفهاني: الكناية في جميع ذلک غير متعلقة بآدم و حواء و جعل الهاء في «تغشاها» و الكناية في «دعوا اللّه ربهما، و آتاهما صالحاً» راجعين الي من أشرك و لم يتعلق بآدم و حواء إلا قوله: «خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ» و الاشارة بذلك الي جميع الخلق. و كذلك قوله «وَ جَعَلَ مِنها زَوجَها» ثم خص بها بعضهم، کما قال «هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُم فِي البَرِّ وَ البَحرِ حَتّي إِذا كُنتُم فِي الفُلكِ وَ جَرَينَ بِهِم بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ»[١] فخاطب الجماعة ثم خص راكب البحر، فكذلك اخبر اللّه تعالي عن جملة امر البشر بأنهم مخلوقون من نفس واحدة و زوجها و هما آدم و حواء ثم عاد الذكر الي ألذي سأل اللّه تعالي ما سأل فلما أعطاه إياه ادعي له الشركاء في عطيته.
و قال قوم: يجوز ان يکون عني بقوله «هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِن نَفسٍ واحِدَةٍ» المشركين خصوصاً، إذ کان کل بني آدم مخلوقون من نفس واحدة كأنه قال:
خلق کل احد من نفس واحدة و خلق من النفس الواحدة زوجها، و مثله كثير نحو قوله عز و جل «فَاجلِدُوهُم ثَمانِينَ جَلدَةً»[٢] و المعني فاجلدوا کل واحد منهم.
و قال قوم: ان الهاء في قوله: «جَعَلا لَهُ شُرَكاءَ» راجعة إلي الولد لا إلي اللّه و يکون المعني انهما طلبا من اللّه تعالي أمثالا للولد الصالح فاشركا بين الطلبتين، کما يقول القائل:
طلبت مني درهما فلما أعطيتكه شركته بآخر أي طلبت آخر مضافاً اليه، فعلي هذا
[١] سورة ١٠ يونس آية ٢٢
[٢] سورة ٢٤ النور آية ٤