تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٧٧
قوله تعالي: [سورة هود (١١): آية ٣٢]
قالُوا يا نُوحُ قَد جادَلتَنا فَأَكثَرتَ جِدالَنا فَأتِنا بِما تَعِدُنا إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ (٣٢)
في هذه الآية حكاية عما قال قوم نوح لنوح جواباً عما قاله لهم فيما تقدم «يا نُوحُ قَد جادَلتَنا» اي خاصمتنا و حاججتنا فأكثرت مجادلتنا، و روي فأكثرت جدلنا- و المعني واحد، فلسنا نؤمن لك «فَأتِنا بِما تَعِدُنا» من العذاب «إِن كُنتَ مِنَ الصّادِقِينَ» فيما تقوله علي اللّه تعالي. و حقيقة المجادلة المقابلة بما يقبل الخصم من مذهبه بالحجة أو شبهه، و هو من الجدل لشدة الفتل، و يقال للصقر أجدل، لأنه أشد الطير. و (الإكثار) الزيادة علي مقدار الكفاية. و «الاقلال» النقصان عن مقدار الكفاية. و الفرق بين الجدال و الحجاج: ان المطلوب بالحجاج ظهور الحجة، و المطلوب بالجدال الرجوع عن المذهب. و المراء مذموم لأنه مخاصمة في الحق بعد ظهور الحق كمري الضرع بعد دروره، و ليس كذلك الجدال. و في الآية دلالة علي حسن الجدال في الدين، لأنه لو لم يكن حسناً لما استعمله نوح مع قومه، لأن الأنبياء لا يفعلون إلا ما يحسن فعله.
قوله تعالي: [سورة هود (١١): آية ٣٣]
قالَ إِنَّما يَأتِيكُم بِهِ اللّهُ إِن شاءَ وَ ما أَنتُم بِمُعجِزِينَ (٣٣)
فأجابهم نوح عليه السلام عما قالوه فقال: إنما يأتي بالعذاب اللّه تعالي دون غيره يأتي به متي يشاء، و لستم تفوتونه هرباً. و معني (انما) اختصاص ما ذكر لمعني دون غيره، تقول: إنما زيد كريم أي هو كريم دون غير، و إنما دخل (إنما) بمعني الاختصاص بالمذكور دون غيره، لأنها لتحقيق المعني: و من تحقيقه أن