تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٧٦
قوله تعالي: [سورة هود (١١): آية ٣١]
وَ لا أَقُولُ لَكُم عِندِي خَزائِنُ اللّهِ وَ لا أَعلَمُ الغَيبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزدَرِي أَعيُنُكُم لَن يُؤتِيَهُمُ اللّهُ خَيراً اللّهُ أَعلَمُ بِما فِي أَنفُسِهِم إِنِّي إِذاً لَمِنَ الظّالِمِينَ (٣١)
في هذه الآية تمام الحكاية عما قال نوح لقومه و حاجهم به، و هو أن قال لهم مضافاً الي ما مضي حكايته «وَ لا أَقُولُ لَكُم عِندِي خَزائِنُ اللّهِ وَ لا أَعلَمُ الغَيبَ وَ لا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ» و المعني إني لا أرفع نفسي فوق قدرها، فأدعي أن عندي خزائن اللّه من الأموال فأعطيكم منها و أستطيل عليكم بها، أو أفول إني أعلم الغيب، أو أقول لكم إني ملك روحاني غير مخلوق من ذكر و أنثي بخلاف ما خلقني اللّه، بل أنا بشر مثلكم و انما خصني اللّه بالرسالة و شرفني بها. و قيل معني خزائن اللّه مقدوراته لأنه يوجد منها ما يشاء. و في وصفها بذلك بلاغة.
و قيل «لا أَقُولُ لَكُم عِندِي خَزائِنُ اللّهِ» فادعوكم الي أن أعطيكم منها، ذكره إبن جريح. و (الغيب) ذهاب الشيء عن الإدراك، و منه الشاهد خلاف الغائب.
و إذا قيل: علم الغيب معناه علم من غير تعلم، و هو جميع الغيب، و علي هذا لا يعلم الغيب إلا اللّه تعالي. و قوله «وَ لا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزدَرِي أَعيُنُكُم» أي لست أقول للذين احتقرتهم أعينكم. و (الازدراء) الافتعال من الزراية، يقال: زريت عليه إذا عبته، و أزريت عليه إذا قصرت به، و الازدراء الاحتقار. و قوله «لَن يُؤتِيَهُمُ اللّهُ خَيراً» معناه لا أقول لهؤلاء المؤمنين الّذين احتقرتموهم انهم لا يعطيهم اللّه في المستقبل خيراً من أعمالهم، و لا يثيبهم عليها، من حيث لا علم لي بباطنهم بل اللّه اعلم بما في أنفسهم، هل هم مؤمنون في باطنهم ام لا، و متي قلت لا يعطيهم خيراً كنت اذاً من الظالمين الّذين ظلموا أنفسهم و غيرهم.