تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٢
علي طولهم او قصرهم.
و يحتمل ان يکون معني الآية إنا نعاقبهم علي استدراجهم للناس و إغوائهم إياهم و نعاقبهم علي كيدهم، فجعل العقوبة علي الاستدراج استدراجاً، و العقوبة علي الكيد كيداً، کما قال «سَخِرَ اللّهُ مِنهُم»[١] و قال «اللّهُ يَستَهزِئُ بِهِم»[٢] و قال «يُخادِعُونَ اللّهَ وَ هُوَ خادِعُهُم»[٣] و قال «وَ اللّهُ خَيرُ الماكِرِينَ»[٤] و ما أشبه ذلک.
و يحتمل ان يکون المراد: إني سأفعل بهم ما يدرجون في الفسوق و الضلال عنده و يکون ذلک إخبار عن بقائهم علي الكفر عند إملائه لهم، فسمي ذلک استدراجاً لأنهم عند البقاء كفروا و ازدادوا كفراً و معصية. و ان کان اللّه لم يرد منهم ذلک و لا بعثهم عليه، کما قال «أَ وَ لَم نُعَمِّركُم ما يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ»[٥] کما يقول القائل: أبطر فلان فلاناً بانعامه عليه. و لقد أبطرته النعمة و اكفرته السلامة، و إن کان المنعم لا يريد ذلک بل أراد ان يشكره عليها.
و معني قوله «وَ أُملِي لَهُم» أؤخر هؤلاء الكفار في الدنيا و ابقيهم مع إصرارهم علي الكفر و لا أعاجلهم بالعقوبة علي كفرهم، لأنهم لا يفوتوني و لا يعجزوني، و لا يجدون مهرباً و لا ملجأ.
و قوله تعالي «إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ» معناه إن عذابي و سماه كيداً لنزوله بهم من حيث لا يشعرون. و قيل: إنه أراد أن جزاء كيدهم و سماه كيداً للازدواج علي ما بينا نظائره. و معني «متين» شديد قوي قال الشاعر:
عدلن عدول اليأس و الشيخ يبتلي أفانين من الهوب شد مما تني[٦]
[١] سورة ٩ التوبة آية ٨٠
[٢] سورة ٢ البقرة آية ١٥
[٣] سورة ٤ النساء آية ١٤١
[٤] سورة ٣ آل عمران آية ٥٤
[٥] سورة ٣٥ فاطر آية ٤٧
[٦] تفسير الطبري ١٣/ ٢٨٨ و الطبعة الثانية ٩/ ١٣٦ و فيه اختلاف