تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤١٧
قال ابو علي الفارسي: في قراءة أبي عمرو (ما) يرفع بالابتداء، و جئتم به في موضع الخبر و الكلام استفهام، لأن الكلام يستقبل بقوله جئتم به. و لو كانت موصولة احتاج الي خبر آخر. و هذا الاستفهام المراد به التقرير کما، قال «أَ أَنتَ قُلتَ لِلنّاسِ»[١] لان موسي کان عالماً بأن ذلک السحر. و انما ألحق الف الاستفهام بقوله «السحر» لان السحر بدلا من «ما» المبتدأ و لزم ان يلحق السحر الاستفهام ليساوي المبدل منه في انه استفهام، الا تري انه ليس في قولك السحر استفهام و علي هذا قالوا كم مالك أ عشرون أم ثلاثون، فجعلت العشرون بدلا من كم فألحقت ام لأنك في قولك كم درهماً مالك، مدع ان له مالا. و من قرأ علي الخبر جعل (ما) موصولة (و جئتم به السحر) صلة، و الهاء مجرورة عائدة علي الموصول و السحر خبر المبتدأ ألذي هو الموصول. و حكي الفراء: انه دخل الالف و اللام في في قوله «السحر» للعهد، لأنهم قالوا لما اتي به موسي إنه سحر، قال موسي ما جئتم به فهو من السحر. و في قراءة أبي ما جئتم به سحر بلا الف و لام. و من قرأ بالاستفهام جعل (ما) في قوله «ما جِئتُم بِهِ» للاستفهام. و من قرأ علي الخبر جعل (ما) بمعني ألذي و فسرت (ما) بالواحد في السحر، لأن المعني عليه، و انما ذكر للتوبيخ كقولك ما صنعت الفساد.
حكي اللّه تعالي انه لما ألقي السحرة سحرهم قال لهم موسي: ألذي جئتم به السحر فمن قرأ علي الخبر، و اي شيء جئتم به السحر مقرراً لهم ثم اخبر ان اللّه سيبطل هذا السحر ألذي فعلتموه «إِنَّ اللّهَ لا يُصلِحُ عَمَلَ المُفسِدِينَ» فالاصلاح تقديم العمل علي ما ينفع بدلا مما يضر. و الصلاح استقامة العمل علي هذا الوجه.
و الإفساد تعويج العمل الي ما يضر بدلا مما ينفع. و الفساد اضطراب العمل علي هذا الوجه. و الصلاح مضمن بالنفع لأنه إذا أضيف ظهر معني النفع فيه كقولك صلاح لزيد، و هو أصلح له اي انفع له و ان کان فيه فساد علي غيره.
[١] سورة ٥ المائدة آية ١١٩