تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٤٠٠
«فَأَصَّدَّقَ وَ أَكُن مِنَ»[١] و غير ذلک. و يجوز أن يعطف قوله «و لا أصغر» علي «ذرة» فيكون التقدير و ما يعزب عن ربك مثقال ذرة و لا مثقال أصغر، فعلي هذا لا يجوز الا الجر لأنه لا موضع للذرة غير لفظها، کما کان لقولك من مثقال ذرة موضع غير لفظه.
و لا يجوز علي قراءة حمزة ان يکون معطوفاً علي (ذرة) کما جاز في قول الباقين لأنه إذا عطف علي (ذرة) وجب ان يکون أصغر مجروراً، و انما فتح، لأنه لا ينصرف و كذلك يکون علي قول من عطفه علي الجار ألذي هو (من).
معني قوله «وَ ما تَكُونُ فِي شَأنٍ» ليس تكون في حال من الأحوال، لأن الشأن و البال و الحال نظائر و جمعه شئون. و الشأن معني مفخم علي طريق الجملة يقال: ما شأنك و ما حالك و ما بالك. و قوله «وَ ما تَتلُوا مِنهُ مِن قُرآنٍ» اي و ليس تتلو من القرآن، فتكون الهاء كناية عن القرآن قبل الذكر لتفخيم ذكر القرآن، کما قال «إِنَّهُ أَنَا اللّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ»[٢] و يحتمل أن تكون الهاء عائدة علي الشأن و تقديره و ما يکون من الشأن. و قوله «وَ لا تَعمَلُونَ مِن عَمَلٍ إِلّا كُنّا عَلَيكُم شُهُوداً» اي ليس يخفي علي اللّه شيء من أعمالكم بل يعلمها كلها و يشهدها.
و المشاهدة الإدراك بالحاسة. و المشاهد المدرك بحاسة اي ذات يعني عن حاسة يقال:
شاهد و شهود و شهداء. و قوله «إِذ تُفِيضُونَ فِيهِ» فالاضافة الدخول في العمل علي جهة الانصباب اليه، و هو الانبساط اليه في العمل مأخوذ من فيض الإناء إذا انصب من جوانبه. و منه قوله «أَفَضتُم مِن عَرَفاتٍ»[٣] اي تفرقتم كتفرق الماء ألذي ينصب من الإناء. و مثله أفاض الماء عليه و أفاض في الحديث و قوله «وَ ما يَعزُبُ عَن رَبِّكَ» فالعزوب الذهاب عن المعلوم و ضده حضور المعني للنفس. و تعزّب إذا انفرد عن اهله. و قال إبن عباس معني لا يعزب لا يغيب. و قوله «مِن مِثقالِ ذَرَّةٍ» فالذر صغار النمل واحده ذرّة، و هو خفيف الوزن جداً. و معني مثقال ذرة وزن
[١] سورة ٦٣ المنافقون آية ١٠
[٢] سورة ٢٧ النمل آية ٩
[٣] سورة ٢ البقرة آية ١٩٨