تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٨٣
اي نظرهم اليك لا علي وجه الاستفادة بمنزلة نظر الأعمي ألذي لا يبصر، فكما لا يقدر ان يهدي الأعمي. فكذلك هؤلاء لا ينتفعون بنظرهم اليك، فكأنهم لا يبصرون.
و العمي آفة تمنع من الرؤية، و هو علي وجهين: عمي العين، و عمي القلب، و كلاهما يصلح له هذا الحد. و الأبصار إدراك المبصر بما يکون به مبصراً، کما أن السمع إدراك المسموع بما به يکون مسموعاً.
قوله تعالي: [سورة يونس (١٠): آية ٤٤]
إِنَّ اللّهَ لا يَظلِمُ النّاسَ شَيئاً وَ لكِنَّ النّاسَ أَنفُسَهُم يَظلِمُونَ (٤٤)
اخبر اللّه تعالي في هذه الآية علي وجه التمدح به بأنه لا يظلم أحداً شيئاً و انما النّاس هم الّذين يظلمون أنفسهم بارتكاب ما نهي اللّه عنه من القبائح فيستحقون بها عقاباً، فكأنهم الّذين أدخلوا عليها ضرراً فلذلك كانوا ظالمين لنفوسهم. و المعني- هاهنا- ان اللّه لا يمنع احداً الانتفاع بما كلفهم الانتفاع به من القرآن و أدلته، و لكنهم يظلمون أنفسهم بترك النظر فيه و الاستدلال به، و تفويتهم أنفسهم الثواب و إدخالهم عليها العقاب. ففي الآية دلالة علي انه لا يفعل الظلم، لان فاعل الظلم ظالم، کما أن فاعل الكسب كاسب، و ليس لهم أن يقولوا يفعل الظلم و لا يکون ظالماً به، کما يفعل العلم و لا يکون به عالما. و ذلک أن معني قولنا: ظالم أنه فعل الظلم، كقولنا: ضارب، أنه يفيد انه فعل الضرب. و كذلك يکون ظالماً بما يفعله من الظلم في غيره، و ليس كذلك العالم، لأنه يفيد انه علي صفة مخصوصة و لذلك قد يکون عالماً بما يفعل فيه من العلم، و لا يکون ظالماً بما يفعل فيه من الظلم و لا يکون عالماً بما يفعل في غيره من العلم و ليس كذلك الظلم، فبان الفرق بينهما.