تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٦٢
أحدهما- ان يجعل من صلة المصدر، فيكون الناصب للمتاع هو المصدر ألذي هو البغي، و يکون خبر المبتدأ محذوفاً، و حسن ذلک لطول الكلام، لأن بغيكم يدل علي تبغون. و الآخر- ان يجعل علي أنفسكم خبر المبتدأ، و يکون نصب متاع علي أحد وجهين: أحدهما- يمتعون متاع الحياة فيدل انتصاب المصدر عليه. و الآخر- ان يضمر تبغون كأنه قال تبغون متاعاً، فيكون مفعولا له.
و لا يجوز أن يتعلق بالمصدر إذا جعلت (علي) خبراً، لقوله إنما بغيكم علي أنفسكم، لفصلك بين الصلة و الموصول.
اخبر اللّه تعالي في هذه الاية عن هؤلاء الكفار الّذين إذا رأوا الأهوال و الشدائد في الفلك في البحر فزعوا الي اللّه و دعوه مخلصين له الدين، و قالوا متي أنجيتنا من هذه «لَنَكُونَنَّ مِنَ الشّاكِرِينَ» أنه إذا أنجاهم و خلصهم من تلك الشدائد عادوا الي البغي و هو الاستعلاء بالظلم. و اصل البغي الطلب. تقول بغاه يبغيه إذا طلبه. و البغية الطلبة، و النجاة التخلص من الهلاك. و التخليص من الاختلاط لا يسمي نجاة. و معني «لما» إيجاب وقوع الثاني بالأول كقولك: لما قام قمت، و لما جاء زيد قام عمرو. و الحق وضع الشيء في موضعه علي ما يدعو العقل اليه، و الحق و الحسن معناهما واحد. و قوله «يا أَيُّهَا النّاسُ إِنَّما بَغيُكُم عَلي أَنفُسِكُم» خطاب من اللّه تعالي للخلق بأن بغيكم علي أنفسكم من حيث ان عقابه يلحقكم دون غيركم «مَتاعَ الحَياةِ الدُّنيا» معناه إنكم تطلبون بالبغي بغير الحق التمتع في الحياة الدنيا. ثم بعد ذلک ترجعون الي اللّه بعد موتكم فيجازيكم بأعمالكم بعد أن يعلمكم ما عملتموه و ما استحققتم به من انواع العقاب. و قال مقاتل: معني «يَبغُونَ فِي الأَرضِ بِغَيرِ الحَقِّ» يعبدون غير اللّه. و قال غيره: معناه كلما أنعمنا عليهم بغوا للدين و أهله الغوائل.