تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٥٣
و أدراني اللّه به. و معني الاية الأمر للنبي صلي الله عليه و آله بأن يقول لهؤلاء الكفار لو أراد اللّه ان يمنعهم فائدته ما أعلمهم به، و لا أمر النبي صلي الله عليه و آله بتلاوته عليهم.
و قوله «فَقَد لَبِثتُ فِيكُم عُمُراً مِن قَبلِهِ» معناه لبثت علي هذه الصفة لا أتلوه عليكم و لا يعلمكم اللّه به حتي أمرني به و شاء اعلامكم. و قال قتادة: لبث في قومه أربعين سنة قبل أن يوحي اليه.
و قوله «أَ فَلا تَعقِلُونَ» معناه هلا تتفكرون فيه بعقولكم فتتبينوا بذلك ان هذا القرآن من عند اللّه أنزله تصديقاً لنبيه صلي الله عليه و آله. قال الرماني: و العقل هو العلم ألذي يمكن به الاستدلال بالشاهد علي الغائب. و النّاس يتفاضلون فيه بالأمر المتفاوت فبعضهم أعقل من بعض إذ کان أقدر علي الاستدلال من بعض. و معني ذلک ان يقول لهم قد لبثت فيكم حيناً طويلا و نشأت بين أظهركم و عرفتم منصرفي و منقلبي فلو کان ما أتيت به مخترعاً او کان ما فيه من الاخبار من عند غير اللّه لكنتم عرفتم ذلک إذ فيكم ولدت و نشأت و معكم تصرفت «أَ فَلا تَعقِلُونَ» في التدبير و النظر و الانصاف فتفعلون فعل من يعقل. علي انه صلي الله عليه و آله لو کان أخذ ذلک من غيره و خالط أهلها، او لو کان شاعراً، او لو کان يعلم السحر- کما ادعوا- ثم خفي ذلک اجمع عليهم حتي لم يعرفوا الوجه ألذي منه أخذ لكان في ذلک أعظم الحجة. و علي ما روي عن قنبل يکون المعني «لَو شاءَ اللّهُ ما تَلَوتُهُ» يکون نفياً للتلاوة «و لأدراكم» و لأعلمكم ثبوته، و يکون اثباتاً للعلم، و علي قراءة الباقين يکون نفياً للأمرين معاً.
قوله تعالي: [سورة يونس (١٠): آية ١٧]
فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَري عَلَي اللّهِ كَذِباً أَو كَذَّبَ بِآياتِهِ إِنَّهُ لا يُفلِحُ المُجرِمُونَ (١٧)