تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٣٤٨
التزيين هو التحسين من الشيطان و الغواة. و قال غيره هو التحبيب بالشهوة لتحبيب المشتهي. و قوله «أَو قاعِداً أَو قائِماً» نصب علي الحال. و قوله «كأنه» هي المخففة عن الثقيلة، و تقديره كأنه لم يدعنا، و مثله قول الخنساء:
كأن لم يكونوا حمي متقي إذ النّاس إذ ذاك من عزّ بزّ[١]
اي كأنهم. و قوله «مَرَّ كَأَن لَم» اي استمر علي طريقته الأولي كأنه لم يدعنا و لم يسألنا ذلک. و موضع الكاف نصب علي أنه مفعول ما لم يسم فاعله و المعني زين للمسرفين عملهم «كذلك» أي مثل ذلک.
قوله تعالي: [سورة يونس (١٠): آية ١٣]
وَ لَقَد أَهلَكنَا القُرُونَ مِن قَبلِكُم لَمّا ظَلَمُوا وَ جاءَتهُم رُسُلُهُم بِالبَيِّناتِ وَ ما كانُوا لِيُؤمِنُوا كَذلِكَ نَجزِي القَومَ المُجرِمِينَ (١٣)
أقسم اللّه تعالي في هذه الاية أنه أهلك من کان قبل هذه الأمة من القرون، و هو جمع قرن. و سمي أهل کل عصر قرناً لمقارنة بعضهم لبعض. و القرن هو المقاوم لقرينه في الشدة، و يعني بذلك الّذين كذبوا رسل اللّه الّذين بعثهم اللّه اليهم فكفروا بذلك بربهم و ظلموا أنفسهم، فأهلكهم اللّه بأنواع العذاب و فنون الاستئصال کما أهلك قوم لوط و قوم موسي و غيرهم، و بين بقوله «وَ ما كانُوا لِيُؤمِنُوا» ان هذه الأمم الّتي أهلكهم لم يكونوا مؤمنين و لو أبقاهم اللّه لم يؤمنوا بالرسل الّذين أتوهم و الكتب الّتي جاءوهم بها، و لما کان ذلک المعلوم من حالهم استحقوا من اللّه تعالي العذاب فأهلكهم.
و قوله «كَذلِكَ نَجزِي القَومَ المُجرِمِينَ» اي نعاقب مثل عقوبة هؤلاء المجرمين إذا استحقوا أو كانوا ممن لا يؤمن و لا يصلح. و جعل ابو علي الجبائي ذلک دليلا
[١] ديوانها أنيس الجلساء ١٤٤