تفسير التبيان - الشيخ الطوسي - الصفحة ٢٣٣
قد أخذن من بياض الروم و سواد الحبشة فكنّ صفراً لعساً، فنزلت هذه الآية فيه.
و قال الحسن و قتادة و أبو عبيدة و أبو علي و الزجاج: معني و لا تفتني و لا تؤثمني بالعصيان في المخالفة الّتي توجب الفرقة، فتضمنت الآية ان من جملة المنافقين من استأذن النبي صلي الله عليه و آله في التأخر عن الخروج، و الاذن رفع التبعة في الفعل، و هو و الاباحة بمعني، و قال له «لا تفتني» اي لا تؤثمني بأن تكلفني المشقة في ذلک فأهم بالعصيان أو لا تفتني ببنات أصفر علي ما حكيناه، فقال اللّه تعالي «أَلا فِي الفِتنَةِ سَقَطُوا» أي وقعوا في الكفر و المعصية بهذا القول و بهذا الفعل. و السقوط الوقوع الي جهة السفل و وقوع الفعل حدوثه و سقوطه أيضاً. و قوله «وَ إِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالكافِرِينَ» اخبار منه تعالي أن جهنم مطيفة بما فيها من جميع جهاتها بالكافرين.
و الاحاطة و الاطافة و الاحداق نظائر في اللغة. و لا يدل ذلک علي انها لا تحيط بغير الكفار من الفساق الا تري أنها تحيط بالزبانية و المتولين للعقاب، فلا تعلق للخوارج بذلك.
قوله تعالي: [سورة التوبة (٩): آية ٥٠]
إِن تُصِبكَ حَسَنَةٌ تَسُؤهُم وَ إِن تُصِبكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَد أَخَذنا أَمرَنا مِن قَبلُ وَ يَتَوَلَّوا وَ هُم فَرِحُونَ (٥٠)
هذا خطاب من اللّه تعالي لنبيه صلي الله عليه و آله بأن هؤلاء المنافقين الّذين ذكرهم متي نال النبي صلي الله عليه و آله و المؤمنين حسنة أي نعمة من اللّه تعالي و ظفر بأعدائهم و غنيمة ينالونها ساءهم ذلک و أحزنهم، و إن تصبهم مصيبة أي آفة في النفس او الأهل او المال- و أصلها الصوب- و هو الجري الي الشيء، يقال: صاب يصوب صوباً، و منه صوب الإناء إذا ميله للجري، و الصواب اصابة الحق «يَقُولُوا» يعني هؤلاء المنافقين «قَد أَخَذنا أَمرَنا مِن قَبلُ» و معناه قد حذرنا و احترزنا، في قول مجاهد و غيره، و معناه،